أيها الإخوة المواطنون:

يجىء إلينا هذا العيد الخامس عشر لثورة يوليو سنة ١٩٥٢ ونحن نعيش فى أزمة لا نغالى إذا قلنا أنها من أقسى ما واجهناه فى تاريخ عملنا الثورى. لم يكن عملنا فى يوم من الأيام سهلاً ولا هيناً، فلقد كان علينا دائماً أن نواجه ألوان المخاطر السياسية والاقتصادية والعسكرية، وكان كل انتصار حققناه نتيجة لمشاق ومصاعب صبرنا عليها وتحملنا أعباءها.

لم يكن قيام شعبنا بالثورة - يوم ٢٣ يوليو - سهلاً أو هيناً، وجيش الاحتلال البريطانى يحتل أرض الوطن منذ أكثر من ٧٠ عاماً، ويحكم بالتحالف مع الإقطاع ورأس المال، معتمدين جميعاً على ٨٠ ألف جندى بريطانى فى منطقة قناة السويس.

ولم يكن تصدى شعبنا لسياسة الأحلاف وسيطرة مناطق النفوذ التى أريد فرضها عليه سهلاً أو هيناً، فى وقت لم تكن حركة التحرير الوطنى قد قطعت فيه ما قطعته الآن على طريق الاستقلال ورفض التبعية. ولم يكن قبول شعبنا لتحدى بناء السد العالى سهلاً أو هيناً فى وجه صلافة أمريكية أرادت - وهى تسحب عرضاً غربياً بالمساهمة فى تمويل السد العالى - أن تسىء إلى الاقتصاد المصرى، وأن تصور هذا الشعب وكأنه مفلس غير قادر على تحمل مسئوليات مثل هذا البناء الذى لا يعرف له فى العالم نظير، بل وأرادت بهذه الصلافة أن تصل إلى حد تضييع ثقة هذا الشعب بنفسه وإسقاط نظامه الثورى.

ولم يكن تحمل شعبنا الأهوال فى معركة السويس سهلاً أو هيناً، فقد شاركت فى العدوان عليه سنة ١٩٥٦ ثلاث دول بينها اثنتان من الدول العظمى استعملت فى عدوانها تلك القاعدة التى خلقها الاستعمار وزرعها فى قلب الوطن العربى لتقوم دائماً بدورها فى تهديده وإرهابه، ظاهرة مرة وخفية مرة أخرى.

ولم يكن تقدم شعبنا إلى عملية بناء الاشتراكية والتطلع إلى آفاق الكفاية والعدل والنضال من أجل زيادة قاعدة الثروة الوطنية بعملية التصنيع الهائلة، بعملية استصلاح الأرض الواسعة، بعملية تغطية البلاد كلها بالكهرباء، واسترداد كل المصالح الأجنبية، وكسر الاحتكار وسيطرة رأس المال والإقطاع، وتوزيع الأرض، وخدمات التعليم والصحة والتأمينات، والاشتراك فى الإدارة والأرباح.

كل هذا - أيها الإخوة - لم يكن سهلاً وهيناً فى هذا الوطن الذى كانت فيه المصالح الأجنبية والإقطاعية تسيطر على مقدراته، ولا فى قلب هذا العالم العربى الذى تسيطر عليه المصالح الأجنبية والإقطاعية، وما يحدث فى وطننا له صداه فى عالمنا العربى كله، أردنا ذلك الصدى أو لم نرده. ولم يكن رضا شعبنا بمسئوليات التضامن العربى ووحدة النضال ووحدة المصير سهلاً أو هيناً، فلقد واجهنا ضمن هذه المسئوليات وقوفنا إزاء محاولة غزو سوريا سنة ١٩٥٧، وقبولنا بتبعات الوحدة وتبعات الانفصال، ووقوفنا إزاء محاولة ضرب الثورة العراقية سنة ١٩٥٨، وصمودنا وراء الثورة الجزائرية من سنة ١٩٥٤ إلى سنة ١٩٦٢، وانتصارنا إلى جانب الثورة اليمنية وتأييدنا لثورة الجنوب العربى حتى أخر مشكلة واجهناها ومازلنا نواجهها، وقد كانت بدايتها محاولة لغزو سوريا.

لم يكن عملنا فى يوم من الأيام - أيها الإخوة - سهلاً أو هيناً، فطريق النضال مخاطر، وطريق النصر تضحيات، وطريق الآمال الكبرى بذل كبير، وإلا فإن الشعوب ترضى على نفسها بالجمود وتقبل التخلف؛ لأنها لا تستطيع أن تتحرك ولا تقبل بالمخاطرة ولا تقبل على الحياة بحلوها ومرها. إن الذين لا يتحركون ليس من حقهم أن ينتظروا التقدم، والذين لا يقبلون بالمسئوليات ليس من حقهم أن يتطلعوا إلى الآمال، والذين لا يخاطرون يقعون من الخوف أسرى للخوف نفسه، وليس ذلك شأن الشعوب الحية ولا هى طبيعتها، ولا هو طريقها. ولقد قلت إن هذه الأزمة التى نواجهها اليوم هى من أقسى ما واجهناه فى تاريخ عملنا الثورى لأكثر من سبب؛ منها أن هذه الأزمة التى نواجهها، وإن لم تكن أخطر ما واجهناه وأصعبه فهى على وجه التأكيد من أخبث ما لقيناه وأكثر لؤماً، ذلك أن الاستعمار استفاد - ويجب أن نعترف بذلك - من كل مواجهاته معنا ومع غيرنا من الشعوب التى كثر تعرضها لغاراته.

إن الاستعمار لم يواجهنا فى هذه المرة صراحة كما فعل فى سنة ١٩٥٦؛ وإنما بذل جهداً لابد أن نسلم ببراعته فى إخفاء دوره، وفى تغطية تواطئه، ولعله فى النهاية لم يترك شيئاً يدل عليه غير بصمات أصابعه، ولكن ذلك شىء والإمساك به متلبساً كما فعلنا فى سنة ١٩٥٦ شىء آخر.

ومن هذه الأسباب أيضاً أنه ربما كان هذا أول عيد للثورة يجىء ليجد وطننا وهو مازال وسط المؤامرة الضارية، ومع شجاعته وإصراره على مواجهتها فإنه مما لاشك فيه أن شعبنا يشعر فى نفس الوقت بأحزان وآلام مضنية. ولعل الله عز وجل - أيها الإخوة - أراد أن يضعنا موضع الامتحان ليرى هل نستحق ما أنجزناه، وهل نحن قادرون على حمايته، وهل نملك شجاعة الصبر والصمود أمام المحنة. ولعل الله عز وجل - أيها الإخوة - أراده أيضاً درساً لنا يعلمنا مالم نكن قد تعلمناه، ويذكرنا ببعض ما يمكن أن نكون قد نسيناه، ويطهر نفوسنا من شوائب لحقت بنا، وعيوب يجب أن نتلافاها ونحن نبنى مجتمعنا الجديد. ومهما تكن إرادته عز وجل فإننا نقبل امتحانه باعتباره قدرنا، ونحن ثقة مطلقة فى أنه معنا يرعى جهادنا إذا خرجنا للجهاد، وينصرنا إذا عقدنا العزم على النصر، ويفتح طريق الحق أمامنا إذا استطعنا أن نضع أنفسنا على الطريق القويم.

أيها الإخوة المواطنون:

لا أريد أن أعود بكم مرة أخرى إلى الظروف التى مهدت لهذه الأزمة والتى صنعتها، فلقد سبق أن شرحت لكم بعضها من قبل فى حديثى إلى الأمة يوم ٩ يونيو فى أعقاب النكسة مباشرة، وكذلك لأنى أدرك - ويجب أن ندرك جميعاً - أن ما جرى قد جرى ولا فائدة من الوقوف عنده والبكاء على أطلاله، وأهم منه الآن أن نتعلم منه درسه وعبرته، وأن نتجاوز النكسة ونرتفع فوقها ونواصل طريقنا بالنصر إلى آمالنا.

(الرئيس يوجه كلامه للجمهور قائلاً: مش عايزين هتافات للأخر) ومع ذلك فإنى أرى أنه لابد من الوقوف أمام بعض المسائل الهامة لكى يكون أمامنا جميعاً أكبر قدر ممكن من الوضوح:

المسألة الأولى التى يجب أن تكون واضحة أمامنا جميعاً أننا لم نكن البادئين بتأزيم الموقف فى الشرق الأوسط. كلنا نعرف أن هذه الأزمة بدأت بمحاولة إسرائيل غزو سوريا، من المؤكد لنا جمعياً أن إسرائيل فى هذه المحاولة ماكانتش بتعمل لحسابها، وإنما كانت تعمل أيضاً لحساب القوى التى ضاقت ذرعاً بحركة الثورة العربية. المعلومات التى جات لنا عن غزو سوريا كانت من مصادر متعددة: كانت هناك معلومات إخواننا السوريين بأن إسرائيل قد حشدت أمامهم ١٨ لواء، وقمنا احنا بتحقيق هذه المعلومات، وتأكد لنا أن إسرائيل تحشد أمام سوريا مالا يقل عن ١٣ لواء، والوفد البرلمانى بتاعنا كان فى زيارة لموسكو برئاسة السيد أنور السادات، وقام الأصدقاء السوفييت فى هذا الوقت بإبلاغ السيد أنور السادات بأن غزو سوريا وشيك.

كنا نعمل إيه؟ كنا نستطيع أن نسكت، وكنا نستطيع أن ننتظر، وكنا نستطيع أن نكتفى بإصدار البيانات الإنشائية والتأييد بالبرقيات، ولكن هذا الوطن إذا قبل التصرف على هذا النحو كان يتخلى عن رسالته وعن دوره، بل وعن شخصيته. كانت بيننا وبين سوريا اتفاقية للدفاع المشترك، ونحن لا نعتبر اتفاقياتنا مع شعوب أمتنا العربية أو مع غيرها حبراً على ورق، ولكننا نقدس هذه الاتفاقيات، ونعتبرها شرفاً والتزاماً، وكانت بيننا وبين سوريا - كما كان بيننا وبين أى شعب عربى، وكما سيكون بيننا وبين كل شعب عربى - ما هو أبقى وأكبر من الاتفاقيات والمعاهدات، كان هناك - وسوف يكون هناك دائماً - إيمان بالنضال المشترك وبالمصير المشترك؛ ولذلك فقد كان محتماً علينا أن نتحرك عملياً لمواجهة الخطر على سوريا، خصوصاً وأن تصريحات القادة السياسيين والعسكريين لإسرائيل فى هذا الوقت وتهديداتهم العلنية لسوريا - قد أشارت إليها الصحافة، وأشير إليها صراحة فى الأمم المتحدة - لم تترك لأحد فرصة الشك فى أى معلومات، وبهذا أيضاً لم تترك لأحد فرصة الانتظار أو التردد.

المسألة الثانية: أننا عندما قررنا التحرك نتجت عن تحركنا أثار عملية، أول حاجة إننا طلبنا سحب قوة الطوارئ، بعدين أعدنا تطبيق حقوق السيادة المصرية على خليج العقبة، وكان ذلك من الأمور التى ألح عليها إخواننا العرب دائماً وطالبونا بها، ومن الطبيعى كانت لهذه الآثار نتائج كبيرة فى المنطقة وفى العالم.

المسألة الثالثة: أننا بتحركنا وأخدنا المبادأة لدفع الخطر عن سوريا كنا ندرك أننا خصوصاً من وجهة نظر دولية أن نبدأ الضربة الأولى فى معركة مسلحة، ولو كنا فعلنا ذلك لكنا عرضنا أنفسنا لعواقب وخيمة تزيد عما كان فى مقدورنا احتماله. ولقد كان أول ما سوف نواجهه هو عمل عسكرى أمريكى مباشر ضدنا، يجد الحجة والعذر من أننا أطلقنا الرصاصة الأولى فى المعركة.

وأريد فى هذا الصدد أن ألفت نظركم إلى نقاط هامة:

أول نقطة: التحذيرات الأمريكية، ويمكن قريتم عن هذه التحذيرات الأمريكية، ولكن مستشار الرئيس الأمريكى "جونسون" طلب سفيرنا فى وقت متأخر من الليل فى واشنطن وقال له إن فيه معلومات عند إسرائيل إنكم حتهجموا، وقال إن دا يعرضنا لوضع خطير، وناشدنا ضبط النفس، وقالوا إنهم أيضاً يعملوا نفس الشىء مع إسرائيل من أجل ضبط النفس، والرسائل اللى جات لنا من الرئيس الأمريكى "جونسون" اللى بيتكلم فيها على الأمم المتحدة، ويناشدنا فيها ضبط النفس.

النقطة الثانية: أيضاً يمكن اتكلمت عليها قبل كده، إن السفير الروسى أيضاً فى اليوم التالى طلب مقابلتى، وبلغنى رسالة من رئيس وزراء الاتحاد السوفيتى يطلب منا فيها ضبط النفس، وحيبلغنى رسالة بعتها لرئيس وزراء إسرائيل، ويقول فى رسالته إن أى عمل من ناحيتنا بيعرض العالم لأخطار كبيرة.

النقطة الثالثة: المجتمع الدولى كله كان يعارض البدء بالحرب، وكان حديث الرئيس الفرنسى "الجنرال ديجول" واضح فى أن فرنسا سوف تبنى موقفها على أساس من يبدأ بإطلاق الرصاصة الأولى.

المسألة الرابعة: إننا تعرضنا لخديعة دبلوماسية.. لعملية تضليل سياسى خطيرة لم نتصور أن تقدم عليها دولة كبرى أو قوة كبرى، الخديعة السياسية كانت من أمريكا، خطابات الرئيس الأمريكى، ومناشدات الرئيس الأمريكى، وطلبوا منا ان احنا نتعاون مع السكرتير العام للأمم المتحدة، وكلامه أنه مستعد يبعت نائب الرئيس، وأنه مستعد يبحث معانا كل الأمور والوسائل التى تخرج العالم كله من الأزمة.

جا الأمين العام للأمم المتحدة، تعاونا مع الأمين العام للأمم المتحدة إلى أقصى حد، طلب منا مهلة، واحنا وافقنا بالنسبة لخليج العقبة، وقال إنه هو عايز هذه المهلة لكل الناس علشان تستطيع أن تتنفس وتتدبر أمورها.

النقطة الأولى: إن مافيش سفن إسرائيلية تمر فى القناة، ومافيش شحنات استراتيجية أيضاً لإسرائيل تمر بالقناة، وفى نفس الوقت احنا ما نمارسش عملية التفتيش. قبلنا هذا الموضوع، اعتبرناه حل من السكرتير العام للأمم المتحدة؛ بحيث يدى مهلة للوقت للجميع ليبحثوا الموضوع.

بعد كده وصل مبعوث للرئيس الأمريكى هنا، واتكلم المبعوث على أساس ان أحد نواب الرئيس يسافر إلى أمريكا، وأنا وافقت على الفكرة على أساس أنه يقابل الرئيس "جونسون" ويشرح له موقفنا، وبعت بعد كده للرئيس الأمريكى رسالة وقلت له: ان احنا بنرحب بزيارة نائب الرئيس الأمريكى، ولكنى فى نفس الوقت مستعد ان أنا أبعت نائب الرئيس زكريا محيى الدين إلى واشنطن علشان يقابلك ويشرح لك وجهة النظر العربية. طبعاً فى اليوم التالى جالى الرد إنهم يرحبوا بسفر زكريا محى الدين إلى واشنطن لمقابلة الرئيس الأمريكى، وطلبوا مننا تحديد الموعد، حددنا الموعد يوم التلات ٦ يونيو، وكلنا نعرف إن العدوان بدأ يوم الأثنين ٥ يونيو.

معنى دا إيه: معناه أن كان فيه نشاط سياسى ودبلوماسى واسع المدى، وكان يحق لنا معه أن نتصور أن الانفجار لن يجىء سريعاً.

المسألة الخامسة: مع ذلك.. وبرغم ذلك كنا غير مطمئنين لهذا كله، وكنا ندرك أن شيئاً يدبر وأنه لن يتأخر، وكان باين إن فيه حاجة تدبر ضدنا، والحقيقة أنا فى إحساسى كنت أشعر دائماً من سنتين، إن فيه شىء سيدبر ضدنا من أيام قطع المعونة الأمريكية، ومن أيام التهديدات اللى وجهتها لنا أمريكا بان احنا لا نسلح جيشنا، ولا نكبر جيشنا، ولا نسير فى التطوير الفنى أو العسكرى.

لما حشدنا القوات، فى تقديرى كان احتمال الحرب بالنسبة لى ٢٠%، وقبل غلق خليج العقبة عملنا اجتماع للجنة التنفيذية العليا، وكان هذا الاجتماع عندى فى البيت وبحثنا موضوع غلق خليج العقبة، الاجتماع دا كان يوم ٢٢ مايو، وقلت لهم فى هذا الاجتماع إن احتمالات الحرب ٥٠% وفى اجتماع آخر قلت إن احتمالات الحرب ٨٠%.. فى اجتماعنا فى اللجنة التنفيذية العليا كلنا كان من الواضح إن عملنا عمل دفاعى، وأننا لن نقوم بالهجوم إلا إذا حصل عدوان على سوريا، وإننا بنكون على وضع الاستعداد، فى هذا الاجتماع ماحدش أبداً اتكلم على الهجوم على إسرائيل، وماكانش فيه أبداً أى فكرة ان احنا حنقوم بعمل هجومى على إسرائيل.

وزى ما وضحت من الأول ان كان باين من كل تحليلاتنا إن أى عمل هجومى على إسرائيل حيعرضنا لمخاطر كبيرة.. أول هذه المخاطر هجوم أمريكى علينا، نظراً للتصريحات اللى أعلنتها أمريكا وقالت فيها إنها تضمن حدود الدول فى هذه المنطقة، وكان باين لنا إن أمريكا أما بتقول أنها تضمن حدود الدول فى هذه المنطقة ولا تسمح بأى تغيرات هذه المنطقة، ماكانتش أمريكا تقصد بهذا أبداً الدول العربية، ولكن أمريكا تقصد بهذا إسرائيل، كانت تقصد إن إذا حصل عدوان على إسرائيل إن أمريكا حتنفذ التصريح اللى قاله الرئيس "كيندى" قبل كده، إن أمريكا تضمن جميع الحدود فى هذه المنطقة. على هذا الأساس ماكانش فيه أبداً أى بحث عن موضوع البدء بالهجوم على إسرائيل، ولكن عمليتنا كلها فى القيادة المشتركة كانت عملية دفاعية، وكان حشدنا فى تقديرنا فى هذا الوقت هى عملية ردع حتى لا تقوم إسرائيل بالعدوان على سوريا.

فى  يوم ٢٣ مايو أعلنا إغلاق خليج العقبة بالنسبة للسفن الإسرائيلية، بعد كده بالتغييرات السياسية التى تمت فى إسرائيل فى بداية شهر يوينو، ومع متابعتنا لما يجرى هناك أصبح احتمال الحرب ١٠٠%.

معنى هذا إيه: معناه ان احنا ماكناش أبداً مطمئنين لكل العمليات الدبلوماسية والسياسية اللى بتعملها أمريكا، وكنا أيضا ندرك إن فيه شىء يدبر وان هذا الشىء لن يتأخر. يوم الجمعة - ٢ يونيو - ذهبت بنفسى إلى القيادة العليا للقوات المسلحة وحضرت اجتماع حضره كل المسئولين العسكريين الكبار فى القوات المسلحة، أبديت فى هذا الاجتماع وجهة نظرى قبل ما أسمع شرحهم للموقف، وقلت فى هذا الاجتماع يوم الجمعة - ٢ يونيو - أنه لابد لنا أن نتوقع ضربة من العدو فى خلال ٤٨ ساعة إلى ٧٢ ساعة لا تتأخر عنها أبداً؛ على أساس كل ما كانت تشير به دلائل الحوداث والتطورات، وقلت أيضاً فى هذا الاجتماع إننى أتوقع ان يكون العدوان يوم الاثنين ٥ يونيو وإن الضربة الأولى ستوجه إلى قواتنا الجوية، وكان موجود فى الاجتماع قائد الجوية، معنى هذا إيه؟ معناه أن احنا ماكناش مستهينين بالموقف نتيجة كل عمليات الدبلوماسية والاتصالات وإرسال الأمين العام للأمم المتحدة وموافقة "جونسون" على إن زكريا محيى الدين يروح، ولكن كان من الواضح جداً لأى حسبة سياسية إن إسرائيل لابد أن تقوم بعمل عسكرى؛ خصوصاً بعد تحرك القوات العراقية، أيضاً بعد ما دخلت الأردن ضمن اتفاقيات الدفاع المشترك.

وبعدين المسألة السادسة: بعد ما حدث أنه من الضرورى أن نسلم بأمانة وكرامة أن المعركة المسلحة لم تسر كما كنا نتوقع وكما كنا نتمنى، ولقد جاءت مصدقة للحكمة القائلة بأنه لا يغنى حذر من قدر، ولست أريد الآن أن أتحدث عن الأسباب ولا أرضى لنفسى، ولهذا الشعب أن نقوم والمعركة مازالت مستمرة بتوزيع المسئوليات، هذا موضوع يملكه تاريخ شعبنا ونضاله، ولكنى أستطيع أن أقول راضياً وبطيب خاطر وبضمير مستعد للحساب فى أى وقت أنه مهما كان ويكون؛ فإن المسئولية أولاً وأخيراً يجب أن تقع على (الجمهور يعترض ويقول لا ياريس).. وأنا قولت هذا الكلام فى خطابى (الجمهور يصفق معترضاً) ماعلش، ولقد قلت ذلك فى خطابى إلى الأمة فى يوم ٩ يونيو الماضى، وأقوله الآن وسوف أظل أقوله متحملاً بجميع نتائجه راضياً بأى حكم يترتب على ذلك، ولقد كان هذا دافعى فى حقيقة الأمر إلى قرار التنحى فى ٩ يونيو، كنت أريد أن أتحمل المسئولية وأمضى، وكنت أريد أن يعرف أعداء الشعب المصرى وأعداء الأمة العربية أن المسألة ليست عبد الناصر ولا مطامع عبد الناصر كما يقولون.

إن نضال الشعب المصرى بدأ قبل عبد الناصر وسوف يمضى بعد عبد الناصر والأمة العربية سعت إلى وحدتها قبل عبد الناصر وستسعى بعد عبد الناصر، ولقد كنت أقول دائماً، ومازلت أقول: أننى لست قائد هذا الشعب، وقصارى ما يمكن أن أتمناه لنفسى من شرف أن أكون تعبيراً عنه فى مرحلة معينة من نضاله المستمر قبل أى فرد وبعد أى فرد.

المسألة السابعة: تتعلق بالدور الأمريكى.. الكثير من الدور اللى لعبته أمريكا مازال غامضاً، والقليل منه هو الذى نعرفه، حرب سنة ٥٦ أسرارها كلها ما اتعرفتش إلا السنة اللى فاتت.. اتنشرت السنة اللى فاتت بعد ١٠ سنين، حرب سنه ٦٧ مش حنقدر نعرف أسرارها كلها دلوقت، حنعرف أسرارها بعد سنوات، ولكن أمريكا لعبت دور فى هذا العدوان، الكثير من هذا الدور مازال غامض، ولكن فيه بعض حاجات عرفناها، فيه أسئلة كتيرة فيه اللى عرفناه، إيه معنى الدور السياسى والدبلوماسى اللى قامت به الولايات المتحدة الأمريكية قبل المعركة؟ الجوابات، وطلب ضبط النفس، وتهديدنا بأن أى عمل متناقض يعرض المنطقة كلها للمخاطر، وعرضت إرسال نائب الرئيس الأمريكى إلينا للكلام فى الموضوع والموافقة على سفر زكريا محيى الدين إلى واشنطن لمقابله "جونسون" للكلام فى الموضوع ومحاولة الوصول إلى حل، كل دا حصل قبل المعركة، كان خديعة!! خديعة لحساب مين؟ علينا أن نتسائل طبعاً خديعة لحساب العدوان الإسرائيلى الاستعمارى، خديعة لحساب خطة أمريكية وضعت ودبرت لنا، وباقول من سنتين، الغرض منها القضاء على الأنظمة الثورية الحرة اللى ما بتسمعش كلام الدول الكبرى، واللى ما بترضاش تقعد فى مناطق النفوذ.

إيه معنى الدور اللى قام به الأسطول السادس فى الأيام القليلة السابقة فى المعركة قرب شواطئنا وقرب حدودنا؟ إيه الأسلحة اللى شحنت إلى إسرائيل فى فترة ما بين الأزمة إلى يوم العدوان؟ إيه عدد الطيارات اللى وصلتها؟ ما هو عدد المتطوعين من الطيارين؟ ما هو التفسير لقوة الطيران الضخمة على الجبهات العربية جميعاً؟ كانوا بيهاجمونا فى مصر وبيهاجموا الأردن وفى نفس الوقت بيهاجموا سوريا، وفى نفس الوقت بيبعتوا طيارات تهاجم مطارات العراق. ليلة ٧ يونيو اتصل بى الملك حسين بالتليفون الصبح قرب الفجر وقال لى: إن فيه ٤٠٠ طيارة بتهاجم الجبهة الأردنية، وأن أجهزه الرادار اللى عنده تبين هذا العدد الكبير من الطيارات.

منين جات هذه الطيارات؟ ما هو التفسير لدور باخرة التجسس الأمريكية "ليبرتى"؟ كلكم قريتم فى الجرايد إن كان فى قرب مياهنا الإقليمية أو حتى داخل مياهنا الإقليمية مركب أمريكانى اسمها "ليبرتى"، وإن الإسرائيليين افتكروها مركب مصرى وبعتوا لها قوارب طوربيد ضربتها، وقتل فى هذا الهجوم ٣٤ ضابط وبحار من رجال الباخرة الأمريكية "ليبرتى"، لحساب مين المركب دى كانت بتشتغل بما عليها من أجهزة علمية؟! اتقال إن المركب دى بتحل شفرات العمليات، واتقال إنها بتتبعت لأمريكا، واتقال إنها بعد كده بتتبعت لإسرائيل، وطبعاً الإرسال باللاسلكى عملية سريعة، أو بتتبعت لسفارات أمريكية فى المنطقة. طب وإيه اللى كان حصل لو كانت قوارب الطوربيد بتاعتنا هى اللى ضربت الباخرة الأمريكية "ليبرتى"؟ كانوا عملوا إيه الأمريكان لما ضربوهم الإسرائيليين! لملموا نفسهم وغطوا الحكاية وطلعوا على مالطة علشان يصلحوا المركب، لو كنا احنا اللى ضربنا المركب الأمريكانى كانوا الأمريكان ادونا إنذار ان احنا ما احناش مستعمرة أمريكية، ولا رأس جسر للاستعمار، ولا داخل مناطق النفوذ الأمريكى، وهناك سؤال آخر، ليه كانت هناك طائرات أمريكية فوق جبهتنا؟

يوم الأربعاء ٧ يونيو شوهدت طائرتان بالعلامات الأمريكية فوق خطوطنا.. فى أول الأمر لم أصدق ولكن المعلومات كانت مؤكدة، وبعدين أذعنا بيان وقلنا ان فيه طيارات أمريكية طارت فوق خطوطنا وفوق الجبهة، وقلنا ان احنا بنعتقد بهذا إن الأمريكان مشتركين فى العملية، وقلنا على الطيارات اللى كانت بتهاجم الأردن، وقلنا إن هناك هجوم بالطيران غير إسرائيلى على الأردن، وأذعنا بيان، وذكرنا فى البيان تفاصيل الطيارتين اللى شفناهم مارين.

بالليل جاتنى رسالة من الرئيس "جونسون" وطلب... اتصل هو بالرئيس السوفيتى وطلب منه إنهم يبعتوا لنا رسالة؛ لأن احنا ماكانش لنا علاقة بهذا الوقت معاهم، وقال إن حقيقى كان فيه طيارتين أمريكانى فوق خطوطنا، ولكن الطيارتين دول كانوا رايحين لنجدة الباخرة "ليبرتى" باخرة التجسس.

السؤال: هل كانت هناك طائرات أمريكية أخرى؟ السؤال التانى: هل كان ممكن أن يعترفوا لو ماكناش أذعنا البيان؟ دى الأسئلة الحقيقة الواحد بيسألها لنفسه بالنسبة للحاجات اللى يعرفها، ما هو تفسير الموقف الأمريكى فى الأمم المتحدة وبعد انتهاء العمليات؟ إيه الموقف الأمريكى فى الأمم المتحدة وبعد انتهاء العمليات؟

الموقف الأمريكى فى الأمم المتحدة وبعد انتهاء العمليات يتبنى كلية وجهة نظر إسرائيل الموقف الأمريكى فى الأمم المتحدة معناه استسلام العرب بلا قيد ولا شرط.. دا الموقف الأمريكى فى الأمم المتحدة بعد انتهاء العمليات، يعنى إيه هذا الموقف؟ فيه فرق مخيف بين موقفين أمريكيين، موقف سنة ١٩٥٦ حين فوجئت أمريكا بالعدوان الثلاثى ضدنا وموقف سنة ١٩٦٧ حين لم تفاجأ، أمريكا سنة ٥٦ فوجئت بالعدوان الثلاثى ضدنا، أمريكا سنة ٦٧ رغم الرسائل ورغم الموافقة على إرسال زكريا محيى الدين لم تفاجأ بالعدوان الإسرائيلى ضدنا، حين فوجئت أمريكا وقفت موقفاً حازماً من العدوان وطالبت بوقفه وبانسحاب القوات المعتدية، وحين لم تفاجأ أمريكا كانت مع العدوان وأيدت العدوان وضغطت على كل دولة تملك عليها أى نوع من التأثير؛ حتى كانت النتيجة ما رأيناه من فشل الجمعية العامة للأمم المتحدة.

من الأكيد ان أمريكا لم تفاجأ، والقصص ابتدت تتقال، والصحف الأمريكية هذه الأيام مليانة بأنباء تقول إن الموضوع مثار مناقشات على أعلى المستويات فى أمريكا. اتقال فى الصحف الأمريكية واتقال فى مقال فى مجلة "لايف" الأمريكية إن إسرائيل عرضت على الرئيس الأمريكى رأيها فى أن تقوم بالهجوم، وقالت إنها تشعر بالتفوق، واتقال أيضاً فى الصحف الأمريكية إن الرئيس الأمريكى أخد رأى رئيس الأركان الأمريكى وأخد رأى مدير المخابرات الأمريكى، وإنهم وافقوا؛ وبهذا صرح لإسرائيل وسمح لإسرائيل إنها تقوم بالهجوم وتقوم بالعدوان، وفى نفس الوقت أخدت إسرائيل ضمانات من أمريكا بأن إذا العرب دخلوا إسرائيل يتصدى لهم الأسطول السادس، إذا إسرائيل دخلت البلاد العربية أمريكا ستساند إسرائيل. نشر هذا الكلام فى الجرايد ونشر هذا الكلام فى الصحف، و"أشكول" قال - رئيس وزراء إسرائيل - انه يشكر الرئيس الأمريكى؛ لأن الرئيس الأمريكى قال له إن الأسطول السادس موجود علشانكم وموجود علشان يساعدكم، وإن رد عليه بدلال على الرئيس الأمريكى وقال له إن أنا أخاف فى الوقت اللى احنا قد نكون فيه معرضين للخطر تكون مشغول بمسائل فيتنام، أو تكون فى اجازة نهاية الأسبوع فى المزرعة بتعاتك فى "تكساس"، ولكن الرئيس الأمريكى أكد له وطمأنه على أن الأسطول السادس حيحميهم إذا دخل عرب داخل الحدود الإسرائيلية.

المقالات دى.. الكلام دا كله طلع فى الجرايد والحكايات دى كلها طلعت فى الصحف.. إذن أمريكا لم تفاجأ بالعدوان.. إذن كان هناك تواطؤ بين أمريكا وإسرائيل. دى كلها الحقيقة موضوعات الواحد يسأل نفسه فيها، وطبعاً مافيش جواب مقنع الا ان أمريكا تواطأت مع إسرائيل، وأمريكا اللى أعلنت قبل الحرب أنها متمسكة بتصريح "كيندى" اللى يضمن الحدود فى كل هذه المنطقة لم تكن تعنى بهذا الحدود العربية، ولكنها كانت تعنى بهذا حدود إسرائيل، وأمريكا طمنت إسرائيل على حدودها، ولكن أباحت لإسرائيل أن تنتهك حرمة الأراضى العربية، وأمريكا طلبت مننا ان احنا نضبط نفسنا وان احنا ندى فرصة للتنفس، وفى نفس الوقت سمحت لإسرائيل بالعدوان.

أنا قلت قبل بدء القتال نحن لا نريد أن نكون فى حرب مع أمريكا، فيه بعض الناس يمكن اخذوا على فى المؤتمر الصحفى اللى قلته قبل المعركة وقبل القتال إننى كررت أكثر من مرة إن أمريكا أقوى وأغنى دولة فى العالم، ودا أمر صحيح لا يجدى إنكاره. المواقف السياسية لا يمكن أن تبنى على الأوهام أو على خداع النفس؛ و إنما تبنى على الحقائق، وحينما أقول أننا لا نريد ولا نقدر على حرب مع أمريكا فأنا مش شايف إن فى هذا عيب ولا فيه ضرر، لا نريد ولا نقدر أن نحارب أمريكا، ولكن ذلك لا يمكن أن ينزع منا تصميمنا على الحرية، ولا يمكن أن ينزع إرادة الثورة فينا، ولا يمكن أن ينزع أملنا فى مستقبل نبنيه وفق مشيئتنا ومصالح شعبنا، مهما كانت الظروف ومهما كانت الضغوط، ومهما بلغت أمريكا فى طغيانها ضد حركة التحرر الوطنى والثورة الوطنية.

من سنتين جالى قابلنى وكيل الخارجية الأمريكية، ومعاه رسالة من "جونسون"، وقال لى بما أنكم ما قبلتوش الحاجات اللى احنا طلبناها منكم قبل كده - حق التفتيش - وأنا قلت لكم القصة دى قبل كده، كانوا طلبوا حق التفتيش عندنا بالنسبة للأعمال الذرية، حق التفتيش بالنسبة للصواريخ، وتحديد الجيش المصرى بحد معين، واحنا كنا رفضنا هذا، وقلنا لا يحق لأمريكا أن يكون لها حق التفتيش.

جالى "تالبوت" وكيل وزارة الخارجية الأمريكية، وقال لى بما أنكم رفضتم هذا فاحنا شايفين إننا فى حل ندى إسرائيل ما تطلبه من السلاح، وإنكم إذا شهرتم بنا وقلتم ان احنا بندى إسرائيل سلاح حنديها سلاح أكتر، فأنا قلت له وأنتم إذا اديتم إسرائيل سلاح احنا أيضاً حنشترى سلاح، ولا يمكن ان احنا نترك العملية بهذا الشكل.

فى الوقت دا هم قرروا يدوا إسرائيل أعداد من الدبابات، وأعداد من الطيارات، يمكن أعلنوا هم فى الأعداد اللى أعلنوها شىء، والشىء اللى ادوه لإسرائيل شىء آخر.

دا كان تهديد من أمريكا، وكان تهديد واضح إنهم حيدوا إسرائيل، ويساعدوا إسرائيل، ويعاونوا إسرائيل، إذا لم نقبل نحن حق التفتيش ونقبل طلباتهم فى تحديد الجيش المصرى بعدد معين وسلاح معين.

أيها الإخوة:

دى بعض الظروف وبعض ملابسات ما حدث، وهى ظروف وملابسات حينكشف الكتير منها مع مستقبل الأيام، لكن المهم كما قلت أن ما جرى قد جرى، لا نستطيع إنكاره، ولا نستطيع أن نظل أمامه مأخوذين بعنف الصدمة فيه، المهم - كما قلت - أن نتعلم من درسه وعبرته، والمهم أن نتجاوز النكسة، وأن نرتفع فوقها ونواصل طريقنا بالنصر إلى آمالنا. ولقد كان ذلك فى الحقيقة هو المغزى العظيم لموقف شعبنا العظـيم مساء يوم ٩ يونيو وصباح يوم ١٠ يونيو.

أيها الإخوة:

إننى لم أعتبر لدقيقة واحدة أن خروج جماهير شعبنا برغم الظلام، وبرغم غارات العدو مساء يوم ٩ يونيو تكريماً لشخصى، وإنما اعتبرت أن ذلك الموقف كان تصميماً على نضال. ولقد قلت مرات عديدة إن هذا الشعب قد أعطانى أكثر مما حلمت به فى أى يوم من الأيام، ولقد رفعت صوتى أكثر من مره محذراً من الاعتماد على الفرد؛ لأن كل فرد له دوره، يؤديه ويمضى، ويبقى الشعب وحده من الأزل إلى الأبد؛ وإذن فمن هذه الناحية ليس عندى ما أقوله.

لقد كان موقف شعبنا يوم ٩، ١٠ يونيو أكثر مما أستحق، وأكثر مما يستحق أى فرد، ولكنه بالنسبة لى كان يحمل معانى أخرى: معنى استمرار النضال، ومعنى استمرار النضال الشعبى، ومعنى استعداد الشعب لكل التكاليف والتضحيات، ومعنى التصميم على المقاومة والصمود.

إن الشعب بهذا الموقف أجاب على أهم سؤال كانت الحوادث تطرحه، وكانت النكسة نفسها تلقيه أمامه، وهو: ما العمل؟ أجاب الشعب - كما قلت - بالتصميم.. بالمقاومة.. بالاستعداد لكل التضحيات.. بالصمود.. ولكن ذلك ليس نهاية وإنما هو بداية؛ ذلك أننا نجد أنفسنا بعد ذلك أمام السؤال الملح: من أين نبدأ؟

وأمامكم هنا وعلى مسمع من شعبنا كله، ومن أمتنا العربية.. أنا عارف ان فيه أسئلة فى نفوسكم، كل واحد منكم جاى يسمع الإجابة عليها، فى البيوت وفى كل مكان عايز يعرف، وعايزنى أقول له من أين نبدأ؟ وأقول لكم بصراحة وبوضوح: ليس هناك طريق مختصر أو قصير إلى ما نريد، أيضا ليس هناك طريق واحد لا بديل له نصل به إلى الهدف، الطريق طويل وشاق.

كذلك فإن هناك عدة طرق لابد أن نسير عليها فى نفس الوقت مهما كانت العوائق، والموانع، والصعاب. إن النكسة التى واجهتنا كانت أكبر مما توقعنا، ومن ذلك فإننا لا نستطيع أن نقفز قفزاً.. مش ممكن، ما نقدرش نقفز، ما نقدرش نقفز بغير تدبير كاف إلى أول طريق يقابلنا، وإنما لابد أن ندرك أنه من الضرورى علينا؛ لأن نعيد البناء الشعبى والعسكرى لقوى الوطن المصرى.

كذلك فإن العدو الذى واجهناه بما وراءه وما أمامه، لم يكن إسرائيل وحدها، من ذلك نقول إن أمامنا عدة طرق لابد أن نسير عليها فى نفس الوقت، فيه طرق عربية.. وطرق سياسية.. واقتصادية.. وطرق دولية سياسية ودعائية وعسكرية. طرق النضال فى هذا المجال كبيرة جداً، واحنا قدامنا طريق من اتنين: لما الواحد يحسبها.. يا إما نستسلم بلا قيد ولا شرط (صيحات اعتراض من الجماهير، والرئيس يقول: ماعلش ماعلش) يا إما نناضل، طبيعة شعبنا، طبيعتنا ونظامنا، واللى احنا معروفين به فى العالم طبعاً حيلزمنا طريق النضال، وأنا أما باقول ان احنا قدامنا طريقين.. الحقيقة احنا قدامنا طريق واحد، ان أنا عارف... لكن هو الموضوع تفسير.. تفسير موضوعى، قدامنا طريقين، بنستسلم أو بنناضل، ولكن بنحطها موضوعياً.

الحقيقة هما مش حلين، هما حل واحد. احنا ما استسلمناش، وناضلنا طويلاً.. حتى أيام الاحتلال الإنجليزى ناضلنا، وأيام الاحتلال العثمانى ناضلنا، وطول تاريخنا ناضلنا؛ إذن حل الاستسلام دا بنشطبه، ويبقى قدامنا حل واحد هو حل النضال، ومعنى النضال فى هذه المرحلة أنه نضال حقيقى، نضال قاسى.. نضال شاق، ولكنه نضال فى سبيل مبادئنا وفى سبيل أهدافنا، وفى سبيل حريتنا، وفى سبيل أرضنا وبلدنا، وفى سبيل الثورة الاجتماعية اللى عملناها، وفى سبيل الوطن العربى كله.

هذا النضال له طرق متعددة، زى ما قلت لكم، هناك نضال سياسى، احنا ما بنقفلش باب السياسة أبداً ولا باب الاتصالات السياسية أبداً، مطلقاً، حتى الدكتور فوزى أما سافر أمريكا وراح نيويورك الأمم المتحدة، وقلت له ان أنا ما عنديش مانع انك تقابل الأمريكان، وهو أيضاً بهذا قابل وزير الخارجية الأمريكى مرتين.. نضال بالعمل السياسى.

وهناك نضال اقتصادى، هم قالوا دلوقت إن قنال السويس مقفولة، بنخسر فى قنال السويس كل شهر ١٠ مليون جنيه تقريباً؛ يعنى بنخسر فى السنة.. بنفقد فى السنة ١١٠ مليون جنيه بالعملة الصعبة، بيقولوا النهارده أعداؤنا ان احنا كمان ٥ أشهر أو ٦ أشهر بهذا الشكل، مش حنلاقى فلوس نشترى بها قمح، وحيجوع الشعب المصرى. احنا بنقول ان احنا حنناضل نضال اقتصادى، يعنى إيه نناضل نضال اقتصادى؟ يعنى حنجيب القمح.. ومش حنجوع، وحنستغنى عن حاجات أخرى قد تكون أقل ضرورة من القمح. وبدى أقول لكم قبل سنه ٥٦ الـ ١١٠ مليون جنيه دول احنا ماكناش بناخدهم، كانوا بياخدوهم الإنجليز والفرنساويين شركة قنـال السويس، احنا كنا بناخد مليون جنيه بس قبل تأميم القنال، ولكن مفروض كان السنة دى ناخد ١١٠ مليون جنيه.

معنى هذا.. معنى النضال الاقتصادى ان احنا حنقوم ببعض التضحيات الاقتصادية، احنا مش أول بلد تعمل كـده، وإنجلترا فى أيام الحرب كانوا بيدوا الفرد الواحد بيضة فى الأسبوع، بيضة واحدة، كلنا لو نفتكر أيام الحرب العالمية التانية، نفتكر ازاى الإنجليز ناضلوا بعد هزيمتهم فى دانكرك، الحرب مش معركة واحدة وتسليم، ولكن النضال أكبر من كده، بيستطيع أن يصمد ويثبت ويقاوم، يمكن له أن ينتصر.

احنا خضنا معارك عنيفة من قبل، مش دى أول معركة بنخوضها، المعارك العنيفة اللى احنا خضناها لم تؤثر على تصميم الشعب المصرى فى الدفاع عن حريته واستقلاله.

النضال السياسى طريق، النضال الاقتصادى طريق، حتى لا نحقق أهداف الاستعمار، والنضال العسكرى طريق آخر: إعادة بناء قواتنا المسلحة لتكون قوات قادرة، إقامة المقاومة الشعبية، وتعبئة شعبية فى كل مكان علشان نقاوم العدوان من قرية لقرية، وندافع عن حرية بلدنا.

بنقرا كل يوم عن شعب فيتنام وازاى شعب فيتنام المسلح بالأسلحة الصغيرة والمقاومة للدبابات والطائرات، ما عندهمش دبابات ولا طائرات، بيعملوا إيه فى الأمريكان! بيسببوا لهم خسائر أد إيه؟ احنا مش أقل من شعب فيتنام، واحنا شعب مناضل دايماً، والسويس حصلت عليها غارات جوية، أول يوم طبعاً الناس ذعرت من الغارات الجوية، ولكن باقول لكم تانى يوم كانوا خدوا على الغارات الجوية، وتالت يوم ورابع يوم وخامس يوم، دا موضوع معروف بالنسبة للعسكريين، بيسموه دا "الشعب يتطعم"، تطعيم الشعب بالنسبة للقتال.

الواحد أما يسمع صوت الرصاصة لأول مرة يتخض، بعد كده أما ياخد.. ممكن يسمع صوت المدفع الرشاش ما ينتبهش.

وباقول النضال العسكرى مش بس بالنسبة للقوات المسلحة ولكن بالنسبة للشعب كله، والمقاومة الشعبية يجب أن تكون فى كل مكان، وبعدين أنا سمعت بيقولوا المقاومة الشعبية راحوا وما ادوهمش أسلحة ومش فاهم إيه، وحاجات بهذا الشكل، ماعلش.. مافيش داعى نكون نقادين لكل حاجة وعايزين الكمال، احنا ما احناش أمريكا.

عايزين مقاومة شعبية ناس بيبقى معاها أسلحة، وناس يبقى معاها سكاكين، وناس بيبقى معاها نبابيت، وناس بيبقى معاها عصيان، وناس بيبقى معاها أسلحة أخرى.

دى المقاومة الشعبية على قد قدرتنا، وعلى قد استطاعتنا، وعلى هذا نستطيع فعلاً ان احنا ناخد عدد كبير للمقاومة الشعبية، وأرجو من الشبان ان ما يخيبش ظنهم لما يجدوا ان مافيش أسلحة متوفرة مافيش أسلحة لكل الناس، بالتدريج بنوفر لهم كلهم أسلحة، ولكن عدد قليل من الأسلحة بينفع لتدريب عدد كبير من الناس.

المقاومة الشعبية لها أساليب كبيرة وأساليب كثيرة، وحينما نتكلم عن النضال العسكرى نتكلم عن قواتنا المسلحة، ونتكلم عن قواتنا الشعبية فى كل قرية وفى كل مدينة، من الرجال والنساء. ولابد أن تكون هناك تعبئة عامة، وزى ما باقول من الضرورى علينا أن نعيد البناء الشعبى والعسكرى لقوى الوطن المصرى.

سوف أبدأ بالحديث عن إعادة البناء المصرى، ولابد أن نسلم أن البناء المصرى هو القاعدة الأساسية للمقاومة، وهو جبهة الصمود، وهو طلائع التقدم.

أول حاجة فى الحاجات اللى أنا اتكلمت عليها مهمة ويمكن كلكم مستنينى أتكلم عليها النهارده هى الناحية العسكرية، وأرجو أن تقدروا أننى لا أستطيع أن أفيض فى تفاصيلها، كل اللى أقدر أقوله هو أننا نعيد تنظيم قواتنا المسلحة، ونعيد تدعيم قدراتها وفاعليتها، وأشير هنا إلى عدة نقط، عدة نقط مهمة ومهمة جداً فى معركتنا:

أولاً: إن قواتنا المسلحة هى طلائع شعبها فى كل معركة، دا دور القوات المسلحة وسوف يظل دورها؛ ولهذا فإن قوة القوات المسلحة هى قوة الوطن، وكرامتها كرامته وشرفها شرفه.

ثانياً: إن الرجال من قواتنا المسلحة قاموا بأعمال خارقة، وقدموا تضحيات لا مثيل لها؛ حاربوا بدون طيران والعدو كان عنده طيران، وكان متفوق فى الطيران، وإذا كانت ظروف النكسة لم تسمح لبطولات رجالنا بأن تظهر بالقدر الكافى، فإننى أعلم علم اليقين أن الكثيرين منهم كتبوا بدمائهم صفحات مشرفة فى تاريخ هذا الوطن، ولمجد هذا الوطن.

ثالثاً: إن قواتنا المسلحة لا تستطيع أداء دورها على الوجه الأكمل بغير تلاحم كامل بين الجيش والشعب، وهذا التلاحم لم يكن ضرورياً فى أى يوم من الأيام بمثل ما هو ضرورى الآن.

أنتقل إلى الناحية الشعبية؛ لقد تحملت مسئولية الأمانة العامة للاتحاد الاشتراكى العربى مدركاً أن مجال التنظيم السياسى الشعبى سوف يكون له دور حاسم فى المعركة، ولابد أن نجدد - حتى ونحن وسط المعركة - قوة ونشاط التنظيم الشعبى. وكان من المقرر.. كان من المقرر من قبل ظروف الأزمة أن يتم تشكيل اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى العربى مع العيد الخامس عشر للثورة، ولا أرى أن الأزمة ينبغى أن تؤخر هذا القرار، بل إنها تفرض الإسراع فيه. إنه من الضرورى أكثر من أى وقت آخر توسيع نقاط القيادة فى الاتحاد الاشتراكى العربى، وإذا كان الاتحاد الاشتراكى العربى هو التنظيم الممثل لتحالف قوى الشعب كلها، فإن قيادته لا يمكن أن تكون حكراً على عدد بعينه من الأفراد؛ ولذلك فإننى آمل أن يتم تشكيل اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى العربى خلال أيام، وآمل أن تضم اللجنة خيرة العناصر القيادية فى هذا الوطن، وآمل أن تقوم اللجنة بدورها القيادى على أكمل وجه، وذلك يتمثل أكثر ما يتمثل فى إطلاق حيوية ونشاط قوى الشعب العاملة، إبراز قيادتها ليكون ذلك مدخلاً إلى ديمقراطية أوسع وأعمق لقوى الشعب العاملة؛ بحيث تستطيع الثورة أن تحقق انتقال حقيقى وكامل إلى الديمقراطية السليمة فور الانتهاء من آثار العدوان.

نحن كنا نهدف دائماً إلى إقامة حياة ديمقراطية سليمة، وكنت أقول أن لا وجود للديمقراطية السياسية إلا بالديمقراطية الاجتماعية، لا حرية سياسية إلا بحرية اجتماعية، وكنت أقول إن السبيل إلى الحياة الديمقراطية السليمة هو الحل الاشتراكى؛ وهو إزالة الفوارق أو إذابة الفوارق بين الطبقات.. الحل الاشتراكى هو اللى يخلى الشعب ملك لأبنائه، الحل الاشتراكى هو اللى يخلى كل واحد فى البلد له فرصة متكافئة. ولقد كان رأيى - وسوف يظل رأيى دائماً - أن النجاح الأكبر الذى تستطيع ثورة ٢٣ يوليو أن تحققه، يتأكد فى حياة الشعب المصرى ويبقى عندما تذوب الطلائع الثورية؛ الطلائع الثورية اللى طلعت يوم ٢٣ يوليو، عندما تذوب الطلائع الثورية التى تحملت بمسئولياتها؛ مسئولية الثورة.. عندما تذوب فى حياة مدنية أوسع منها، دا يكون النجاح الأكبر لثورة ٢٣ يوليو.

إن جيلنا قدم قيادات لفترة التحول الكبيرة، ولابد لأجيال أخرى أن تتقدم وأن تقود، وأهم من ذلك أن يوجد النظام الديمقراطى الذى يكفل تجدد القيادات المعبرة دائماً عن مطالب قوى الشعب العاملة وآمالها، والقادرة على الإحساس بمشاكلها فى كل مرحلة من مراحل التطور وحلها. أما إذا تصور جيلنا أن قيادته لمدى الحياة، فإن جيلنا يقع فى خطأين كبيرين؛ أول خطأ أنه يحمل نفسه بأكثر مما يستطيع الوفاء به أمانة وعدلاً، الخطأ التانى يعوق النمو ويعطله، ويحجب عملية التجدد الصحى لقوى الشعب وقياداته، ومن ناحية أخرى فإن عملية إعادة البناء الشعبى ضرورية لعملية تحقيق النصر.

إذا سألنا نفسنا إيه كان القصد الحقيقى لعملية العدوان المرتبة التى تعرضنا لها أخيراً؟ سألنا نفسنا هذا السؤال، الرد يكون: القصد الحقيقى كان القضاء على الثورة الاشتراكية الموجودة فى مصر.

وإذن فلكى نستطيع مواجهة العدوان فإنه من الضرورى تدعيم الثورة الاجتماعية فى مصر، وهذا يتأتى أكثر ما يتأتى بتعبئة قوى الجماهير، وتوضيح الرؤية أمامها.. إيه الهدف من العدوان ومن العملية كلها؟ إيه الهدف من التواطؤ؟ الهدف هو القضاء على الثورة الاجتماعية.. الثورة الاشتراكية، اللى تصدوا لها بكل الوسائل، تصدوا لنا بمحاولات الاغتيالات، وبالإخوان المسلمين، وبالمؤامرات، وبقطع المعونات، ولكنا صمدنا، كل الوسائل فشلت، وفضل حل واحد وهو إسرائيل.

وبعد غزو إسرائيل يحصل شرخ فى النظام، وفعلاً طبعاً النكسة عملت شرخ وعملت أثر، وبعد كده بيركزوا بالضغط الاقتصادى، وبيركزوا بالضغط السياسى، وممكن أيضاً يركزوا بالضغط العسكرى حتى تنهار الثورة اللى ما قدروش إنهم يصلوا إليها طوال الـ ١٥ سنة، ما قدروش انهم يخضعوها، وما قدروش انهم يضعوها داخل مناطق النفوذ.

لم يكن احتلال الأرض هو الهدف الأصيل للعدوان الاستعمارى الصهيونى، إنما احتلال الأرض هدف جزئى يسعى به إلى تحقيق الهدف الأصيل؛ وهو تصفية الثورة العربية عامة.

العدوان حقق الأهداف الجزئية، ولكنه لم يتمكن من تحقيق هدفه الرئيسى، أعداؤنا المدافع اللى موجهه ضدنا.. الدول الكبرى اللى واقفة ضدنا لسه ما حققتش هدفها الرئيسى؛ ولذلك العدوان لا يزال يسعى إلى تحقيق هدفه، ولهذا حينما نفكر ونحدد بوضوح هدفنا نستطيع أن نحدد منطلقنا العملى فى هذه المرحلة؛ إذن هدفنا المباشر لا ينبغى أن يكون إزالة العدوان فحسب، بل ينبغى أن يكون أيضاً حماية نظامنا الثورى، وتعميق نظامنا الثورى، وتدعيم حركة الثورة العربية.. هل معنى هذا ان احنا نغمض عن الاحتلال الصهيونى لبلدنا وننسى النكسة العسكرية؟! لا بالطبع، ولكن معناه أن يكون خط حركتنا الأساسى العمل الثورى، تدعيم الجبهة الداخلية، التعبئة الثورية للجماهير، توسيع الروابط النضالية بين الحركة الثورية العربية، تدعيم قوانا العسكرية.

إذا استطعنا ان احنا نحقق هذا ولا نمكن العدو من أن يحقق هدفه الأصلى؛ هدفه الرئيسى.. إذا استطعنا أن نحمى الثورة الاجتماعية فى مصر، وندعم الثورة العربية الشاملة؛ فإننا نستطيع تحرير الأرض المحتلة.

طب هم عايزين يقضوا على نظام الثورة ليه؟ لأنهم عارفين ان هذا النظام الثورى لن يكون نظام استسلام، ولكنه نظام نضال، هم طبعاً عايزين نظام استسلام، وإزاى يصلوا إلى نظام استسلام.

هجوم العدو.. وكل واحد فيكم شايف اتجاهاته.. الهجوم أولاً كان موجه ضد قواتنا المسلحة، ولكن الهجوم اللى كان موجه ضد قواتنا المسلحة ليس إلا جزءاً بسيطاً من الهجوم الشامل الموجه إلى قوى شعبنا العاملة.. الهجوم على قوى الشعب العاملة باعتبارها مصدر كل قوة، هو الهجوم الرئيسى المعادى، وفى هذا الهجوم.. رد هذا الهجوم على أعقابه ودحره، وهزيمته معناه هزيمة الهجوم الرئيسى للعدو.. معناه أننا سنستطيع أن نتحرر ونقضى على أثار العدوان.

العدوان العسكرى خلص وبدأ الهجوم على الجماهير؛ عليكم أنتم، على كل فرد فى هذا البلد، نشوف الصحف الأجنبية ونشوف الإذاعات الأجنبية.. الهجوم النفسى.. الهجوم الشامل الموجه إلى كل الأمة العربية لتيأس؛ لتيأس، ولتنسى أهدافها، ولتستسلم.. العدو يحاول تشكيك الجماهير العربية فى كل شىء، فى أهدافها المقدسة.. فى منجزاتها الضخمة.. فى نتائج تضحياتها.. فى صروح بنائها.. فى ثقتها بنفسها وفى ثقة كل منها بغيرها.

دى المعركة الرئيسية اللى احنا بنواجهها النهارده. العدو لم يحقق هدفه باحتلال الأرض، ولكن العدو يريد أن يحقق هدفه بالقضاء على الثورة العربية، ثم بالقضاء على الأمل العربى، ثم بإدخال بلادنا ضمن مناطق نفوذه.. العدو احتل سينا.. الثورة موجودة، احنا قلنا حنناضل وحنحرر بلدنا.. حنحرر الأرض العربية، ولكن أعداءنا بيقولوا إنهم عملوا شرخ.. ضربونا ضربة.. احنا مش أول ناس انضربنا.. فرنسا انضربت.. إنجلترا انضربت، وأمريكا انضربت فى بيرل هاربر وانسحبت، وروسيا، الألمان وصلوا لغاية ١٠ كيلو من موسكو، مش أول ناس خسروا معركة.. ولكن الفرق فين؟ مش فى المعركة العسكرية.. هل حنستسلم أو هل سنمضى فى النضال إذا أردنا؟ دا الموضوع.

هم النهارده عايزينا نستسلم.. نستسلم إيه؟ بنيأس.. بنيأس وبيذيعوا بينا كلام يدعو إلى اليأس، واحنا من غير ما نعرف نسمع الإذاعات ونرددها، ونقول مافيش فايدة، دى قوة إسرائيل كذا وقوة أمريكا كذا إلى أخره.. وهم عارفينا.. شعب.. وخصوصاً الشعب المصرى، يمسك أى حاجة وينكت عليها.. تعرفوا موجة النكت اللى طلعت الأيام اللى فاتت.. أنا عارف شعبنا.. شعبنا طبيعته كده، وأنا لم آخذ هذا الموضوع بطريقة جدية، وعارف الشعب المصرى كويس.. ما أنا منه واتربيت فيه.. كل واحد ما يقابل واحد يقول له سمعت آخر نكتة، ويحكيها.. ما هو كده.. ما احنا كده، وهم عارفينا طبعاً، فممكن يستخدمونا بأن تتقال بعض النكت الحقيقة اللى تأثر على كرامتنا.. كرامتنا كشعب له طلائع قاتلت وماتت، فيه ناس ماتت، مش احنا أول ناس خسروا معركة، الأمريكان انضربوا فى بيرل هاربر وهربوا، والإنجليز مشيوا من دانكرك عريانين، وكانوا بيطلعوا بقوارب الصيد، وفرنسا وقعت فى عشرة أيام، اللى واقفين ضدنا النهارده هولندا راحت فى يوم.. وبلجيكا راحت فى يوم.. أوروبا الغربية كلها راحت، وكلنا نذكر الخطب اللى اتقالت؛ خطبة "تشرشل" بعد دانكرك، وقال ان احنا قوقعة فقدت الغلاف اللى بيحميها، لازم نتلم شوية لغاية ما يطلع لها غلاف جديد ويتربى الغلاف الجديد، وازاى استحملوا معركة بريطانيا وضرب لندن بالقنابل، والأكل ماكانش بيجى لهم، إلى أخر هذه الحكايات، ولكنهم ناضلوا وانتصروا، كان بيطلع لهم كل يوم واحد اسمه اللورد "هوهو" كان إنجليزى، ويقول لهم انضربتم واتبهدلتم، وكسروا إنجلترا بالغارات الجوية.. كسروا لندن وكسروا كذا.. وكان يسخر منهم، ما نفعش.

احنا برضه فى ١٩٥٦.. طب واحنا نقول على الغرب ليه؟ ما كان علينا ١١محطة إذاعة سرية، ومحطات إذاعة بتهاجمنا باستمرار، علشان تيأسنا فى عيشتنا وتيأسنا فى حياتنا، لم نيأس فى عيشتنا ولم نيأس فى حياتنا ولم نسلم، وكانت إذاعة صوت بريطانيا اللى بدأت فى عدوان ٥٦ بتقول حنضرب كذا وحنضرب كذا وحنضرب كذا، وكانت الناس فى كل مكان بتقول حنحارب.. احنا برضه.

وبعدين وقعنا تحت الضغط الاقتصادى، ووضعت أموالنا تحت التجميد فى سنة ٥٦، وماكناش عندنا عملة صعبة، وقعدنا ونفدنا، واستطعنا ان احنا ننجح فى نضالنا الاقتصادى، ونضالنا العسكرى ونضالنا السياسى.

العدو النهارده لم يحقق أهدافه.. هدفه مش هو الأرض.. مش هو سينا.. أبداً.. ولا الضفة الغربية ولا مرتفعات سوريا.. هدفه هو أنتم.. أن نيأس.. نسقط آمالنا.. نسقط المبادئ اللى آمنا بها.. نسقط ثورتنا الاجتماعية اللى حاولوا أن يسقطوها بجميع الوسائل.. النهارده أعدائنا بيقولوا إيه؟ الأمريكان بيقولوا إيه؟ أهو وصلنا لغاية كده ونسيبهم بقى ٦ أشهر وحيقعوا هم لوحدهم .. الشرخ موجود وحيقعوا، من الناحية الاقتصادية حيقعوا.. من ناحية اليأس حيقعوا، والأمة العربية كلها حتيأس، ومتصورين ان دا ممكن يحصل.. متصورين ان احنا ممكن نيأس.. متصورين ان احنا ممكن نتشكك فى أهدافنا، ونتشكك فى كل شىء.

كل دا الحقيقة يفرض علينا واجبات كثيرة، يفرض على كل فرد من أبناء الأمة العربية كلها - مش بس فى مصر، فى كل بلد عربى - أن يكون يقظ وحذر من أساليب الاستعمار والصهيونية اللى عايزانا نيأس ونكفر بالقيم بتاعتنا، احنا مش حنيأس ولا نكفر بالقيم بتاعتنا، ولا نكفر بالأهداف بتاعتنا، وحننجح، امتى؟ إذا كل فرد فعلاً.. كل فرد آلى على نفسه أن يعمل ضد أهداف العدو، وما تجيش تقول لى التنظيمات السياسية هى اللى تعمل، أنا باقول لأ، كل واحد عليه مسئولية، كل فرد عربى فى كل وطن عربى عليه مسئولية، ما يلقيش المسئولية على غيره، كل واحد لو قام بمسئوليته نهزم أهداف الاستعمار والصهيونية، ونستطيع أن نحقق نتائج نضالنا؛ نضالنا الشعبى ونضالنا السياسى ونضالنا العسكرى، ونحرر الأرض المحتلة.

أما إذا كان الاستعمار حيخلى كل فرد يتشكك، ويقدر يؤثر على كل فرد ولو ٥٠% يكون الاستعمار نجح ٥٠%.. كل فرد عليه مسئولية وكل فرد يستطيع أن يساهم فى هذه المعركة القاسية المريرة ضد الاستعمار والصهيونية.. كل إنسان.. كل واحدة ست وهى بتقول لأولادها.. كل بيت.. كل عيلة فى الوطن العربى فى هذه المرحلة لازم تعرف إن المعركة ماانتهتش بانتهاء المعركة العسكرية، ولكن المعركة مستمرة، والنضال النهارده علينا أقصى من النضال العسكرى، علينا أن نناضل فى كل مكان حتى نعبئ قوى الجماهير العربية؛ حتى لا نفقد الثقة فى أنفسنا، حتى لا نيأس، حتى لا نشك فى أهدافنا.

وأكرر تانى: احنا مش أول ناس خسرنا معركة أو هزمنا فى معركة.. باقولها كده.. كل الدول الكبرى فى العالم هزمت فى معارك، ولكن بالتصميم وبالنضال استطاعت الدول اللى عبأت نفسها واللى عرفت طريقها أنها تكتسب النصر، واحنا عايزين نكتسب النصر فلا نعطى للعدو أبداً وسيلة لأن يحقق أهدافه، دا بالنسبة للفرد، باقول كل فرد بيقدر، أما إذا كل واحد فينا ألقى المسئولية على الآخر؛ فنبقى شعب متواكل وحنتعب أكتر من كده مرة واتنين وتلاتة وأربعة.. كل واحد عليه واجب، كل مواطن عليه واجب.

وبرضه باقول إن موجة النكت اللى طلعت احنا انجرينا فيها وما فهمناش بتسبب إيه النكت اللى طلعت.. النكت اللى طلعت تجرح كرامة ناس هم أولادنا وإخواننا، وأنا نفسى كنت باسمع النكت برضه.. برضه واحد بيقول لى سمعت أخر نكتة.. زى ما بتقولوا لبعض، وطبيعتنا احنا كمصريين، وأنا فى نفسى ما أخدتش من هذه النكت أبداً أى تعبير، ولكن أنا عارف الشعب المصرى.. دا شعب عمره ٧ آلاف سنة، وقهر كل الغزاة.. كسرهم.. كل اللى جم هنا خلص عليهم؛ من "قمبيز" إلى "نابليون"، وقعد ينكت عليهم، شعب له فلسفة بتاعته، وطبيعته، وماحدش لا قدر يقيم فيه مذاهب ولا انقسامات، وفيه وحدة وطنية، وشعب صلب قوى، لكن أهو شعب يحب النكتة، وأنا باعتبر ان دى ميزة لأنه بيفلسف بها الأمور، لكن إذا جا أعداؤنا استغلوا فينا هذه الطبيعة علشان يحققوا هدفهم، لازم نكون ناصحين، وكل فرد يكون ناصح، هنا ما أقدرش أنا أقول لك لأ، يعنى أقول لك توجيه سياسى معين، أبداً باقول كل فرد فينا مسئول، بيقول إيه الهدف من كذا؟ الهدف من كذا هو كذا، تثبيط العزيمة، فقدان الثقة، بالنسبة للقوات المسلحة تيئيس القوات المسلحة.

الله.. طب إذا احنا شاركنا فى هذا يعنى إيه؟ يعنى بنحقق أهداف العدو.. طريق النضال قدامنا طريق صعب، كل فرد فينا يستطيع أن يعمل الكثير.

التنظيم السياسى أيضاً يجب أن يكون فى الميدان مع الجماهير، وأن يقود، ويقود بالحقيقة وحدها مش بالمظاهر ولا بتكبير الأمور.. أن يقود من مواقع الشعب.. لا متسلط ولا متعالى. احنا كلنا عارفين الأحزاب فى الماضى، اللى كانوا فى القيادات كانوا يتسلطوا ويتعالوا، إذا كانت القيادات الشعبية النهارده حتتسلط وتتعالى فستسقط فى الحال فى نظر الجماهير.

إن الأزمات أكثر من غيرها تجلى معادن الشعوب، هذه الأزمة أظهرت معدن شعبنا الأصيل، أنه شعب حضارة ممتدة متصلة لم تنقطع.

بعدين طبعاً كان فيه موجات من النقد - برضه بنتكلم بصراحة - كتيرة، ما هو فى النكسة كل واحد بينتقد.. كل واحد بيتكلم، والفلاسفة بيكتروا، واحنا قابلتنا نكسة، بيحصل كلام.. بيحصل نقد.. بتحصل فلسفة، أنا كنت باسمع الحقيقة كل هذا، كنت باسمع الكلام اللى بيتقال، وناس كتير بعتوا لى جوابات، ناس مخلصين، مواطن عايز يضحى وعايز يناضل وعايز يموت.

وأنا بدى أقول الحقيقة أنا كنت مع جماهير الشعب فى الكثير مما كانت تتحدث فيه، الشعب كان يطالب ببداية جادة وحازمة تتفق مع جدية الظروف التى نواجهها وحزمها، وأنا مع الشعب فى هذا.

إن عملنا كله يجب أن يتكيف بالظروف التى نواجهها، نحن نواجه ظروف حرب، ولابد أن تتكيف ممارستنا لأعمالنا، كل واحد فينا فى نطاق مسئوليته بجو الحرب، لابد أن يتوقف الإسراف، ولابد أن يكون هناك حد للإنفاق على المظاهر، ولابد لكل إنسان منا أن يؤدى عمله، وأن تكون للعمل مقاييس للحساب ثواباً أو عقاباً.

لابد أن نقضى على أية امتيازات تكون باقية تتجاوز حق العمل وقيمته فى خدمة المجتمع دون أى اعتبار آخر. إن الشعب كان يطالب بوضع حد للامتيازات التى حصل عليها البعض بغير وجه حق وأنا مع الشعب فى هذا، إننا شعب نبنى مجتمعنا؛ مجتمعاً اشتراكياً، وهذا المجتمع ليس لطبقة مميزة بل هو بطبيعته لا يسمح بامتياز طبقى، إنه يسمح بامتياز العمل وحده.. العمل وحده وكفاءة العمل واقتداره تعطى لصاحبها امتيازاً، لكنه امتياز الكفاءة وليس امتياز الطبقة. ولعلى أقول لكم أننى فى الأيام الأخيرة ألغيت كثيراً من الامتيازات التى ظهرت فى مراحل سابقة وسيظهر هذا فى الميزانية الجديدة، ولابد أن نقضى على أية امتيازات تكون باقية تتجاوز حق العمل وقيمته فى خدمة المجتمع دون أى اعتبار أخر.

إن الشعب كله كان يطالب بالتكافؤ فى التضحيات وأنا معه فى ذلك، ولعلى لا أذيع سراً إذا قلت أمامكم الآن إننا سوف نطلب إلى الشعب تضحيات جديدة تفرضها ضرورات المعركة، ولقد سبقتنا شعوب كثيرة فى العالم العربى بينها من لم تشارك مشاركة فعالة فى المعركة إلى فرض مثل هذه التضحيات باعتبار إن الظروف تقتضيها.

ولقد راعينا فيما سوف نطلبه من التضحيات أن يكون العبء الأكبر على القادرين عليه؛ ليكون هناك تكافؤ وليكون هناك مساواة حقيقية، إن الشعب يطالب بالنقاء الثورى والطهارة الثورية وأنا أطالب مع الشعب بذلك، لابد من النقاء الثورى ولابد من الطهارة الثورية، لابد من التمسك بقيم الدين والاعتصام بها.

أيها الإخوة:

حصل كلام كتير فى الشهر ونص اللى فاتم، كلنا اتكلمنا، كل واحد فيكم اتكلم، وكل عيلة اتكلمت وكل مكتب اتكلم، ودا طبيعى، ولكن أريد أن أقول إن ظاهرة نقد النفس التى عاشها مجتمعنا فى الفترة الأخيرة بعد النكسة ظاهرة صحية، وهى دليل حيويته ودليل قوته. طبعاً أنا كنت باسمع.. باسمع وبييجى لى وباسمع الكلام، وكنت باحاول الحقيقة على قد الانتقادات والحاجات اللى باسمعها الحاجة اللى ألاقيها وجيهة، واللى ألاقى لها حل أقدر أعمله، فيه حاجات ماكنتش أقدر ألاقى لها حل، موضوع الإذاعة ناس يبعتوا لى جوابات يقولوا لى إنهم زهقوا من الأناشيد، أيام ما كانت الإذاعة أناشيد طول النهار، ويقولوا لى يعنى ما احناش قاردين نسمع المحطة دى وبنضطر نسمع محطات أجنبية، إن الواحد فعلاً اللى جاى تعبان من شغله مش ممكن يروح يرقد فى السرير ويفتح الراديو يسمع أناشيد حماسية، عايز يسمع مزيكا، جوابات جات لى بهذا الشكل.

أنا قلت لوزير الإعلام يعنى غير الإذاعة وسألتهم البلاد اللى كانت بتحارب، فيه بلاد قعدت حاربت ٥ سنين من الحرب العالمية التانية، قعدوا ٥ سنين يعملوا أناشيد حماسية؟! سألت الناس اللى كانوا فى لندن، سألت الدكتور القيسونى - كان فى لندن فى الوقت دا - قال لى أبداً، دا الإذاعة كانت ماشية زى ما هى، فعلاً مش معقول اللى بيقعد يحارب ٥ سنين بيقعد ٥ سنين يعمل أناشيد حماسية أبداً! لأن الحياة بتمشى، الحياة بتستمر والحياة الطبيعية رغم الحرب، ممكن بيكون فيه تعبئة شعبية، وممكن فيه مقاومة شعبية، وممكن ناخد كلمات حماسية وأناشيد حماسية، وفى نفس الوقت الحياة الطبيعية موجودة، الدنيا ما انتهتش.. فأنا قلت لوزير الإعلام يعنى خفف الإذاعة؛ لأن عندى جوابات ناس بتشتكى من الإذاعة وبيقولوا حتسمع الإذاعات الخارجية.

غير الإذاعة جات لى جوابات ازاى نعمل أغانى عاطفية والمعركة دايرة؟! الموضوع الحقيقة ما أقدرتش أجد له حل.. ومع ذلك لابد أن نجد النغمة الصحيحة اللى توفق بين دا وبين دا، ولازم نسيطر أيضاً على أعصابنا، أعصابنا أكثر ما نحتاج إليه الآن، يجب ألا تضيق نفوسنا ببعضنا وأن تكون لكل منا الثقة بغيره، تركيز العدو علينا هدفه الأساسى اللى لسه ما حققوش عايز يضيع علينا كل دا، لابد أن ندرك أننا أمام مرحلة هامة تحتم علينا البناء والحرب، وهذا شعار قديم من شعارات نضالنا.. يد تعمل للبناء ويد تحمل المدفع.

أيها الإخوة:

الميزانية الجديدة يمكن تطلع بكره أو بعد أيام واضطرينا فى الميزانية الجديدة ان احنا نخفض خطة التنمية، نؤجل مجمع الحديد والصلب سنة، لكن فيها استمرار للعمل فى الصناعات والأرض الجديدة والكهرباء، وآخر ميزانية للسد العالى، وعملنا دا علشان ما ينفعش الضغط الاقتصادى علينا، وعلشان نقدر الفلوس اللى كنا حنصرفها فى هذه الأمور حنصرفها فى شراء القمح والضروريات.

أيها الإخوة:

أنتقل إلى طريق العمل العربى، بدأنا فى الحقيقة من أول لحظة بعد النكسة، وكنا على اتصال طول الوقت ببعضنا، وكنا على اتصال بغيرنا فى محاولة لرسم صورة صحيحة للموقف بأبعاده العربية والدولية.

حصلت اجتماعات فى القاهرة، فى الحقيقة هذه لم تكن اجتماعات مرتبة أبداً، الرئيس بومدين بعت لى وقال لى إنه جاى القاهرة الصبح، وبشعوره العربى الصميم حس الراجل إنه لازم ييجى يقعد معانا ويشوفنا فى وقت عصيب احنا فيه. واستقبلنا الرئيس بومدين، والرئيس بومدين أما جا قال إن كل إمكانيات الجزائر تحت تصرفنا، كل قوات الجزائر تحت تصرفنا، وقال كل ما نطلبه من الجزائر ستلبيه الجزائر، وإن المعركة معركة الجزائر، والملك حسين برضه بعت رسالة وقال إنه بيحب ييجى فى القاهرة، قلنا له أهلاً وسهلاً فى بلدك، وجا وحصل اجتماع مع الرئيس بومدين والملك حسين وسافروا، برضه الأخ عبد الرحمن عارف وجد من الواجب عليه انه ييجى لنا فى هذا الظرف وما عرفتش حتى إنه حيوصل القاهرة إلا قبل ما يوصل بساعة، يعنى حتى قام من بغداد من غير احنا ما نعرف.

وبعدين جا الرئيس الأتاسى من سوريا والرئيس الأزهرى من السودان، وعلى هذا انعقد الاجتماع بدون تدبير وبدون تخطيط، واتكلمنا فيه على إمكانية التعاون والتعاون على إزالة آثار العدوان ولكن باسأل هل يحجب هذا المؤتمر إمكانية عمل عربى؟ باقول لأ.. احنا نتمنى فى هذه المرحلة ان يكون فيه عمل عربى، شعوب الأمة العربية كلها اهتزت بهذا التواطؤ وهذا العدوان، شعوب الأمة العربية كلها فى كل البلاد قامت وتظاهرت وأظهرت شعورها، وناس كتير ضحوا بنفسهم، وفيه ناس انسجنوا وفيه ناس أضربوا وما أخدوش مرتبات، وظهرت الأمة العربية الأصيلة على حقيقتها بعمالها ورجالها وأبنائها كلهم.

دى الأمة العربية، الأمة العربية هى الشعوب، يجب أن ينزل الحكام على رأى الشعب العربى فى كل بلد عربى.

العلاقات الاجتماعية ليست سبباً لمنع الاجتماع، احنا فى موقف أكبر من هذا، المعركة تستدعى تعبئة كل بندقية عربية وكل جنيه عربى وكل فرد عربى وكل جهد عربى، وأنا باقول ان احنا لازم نروح مؤتمر القمة ونجتمع علشان نضع كل واحد قدام مسئولياته، ولكن ماتكونش مسئوليات بعض الناس بس إنهم يبعتوا تلغرافات تأييد أو تلغرافات مواساة، كل واحد بيجى وبيقول احنا والله أما نروح مؤتمر القمة.. احنا كنا رفضنا مؤتمر القمة، قد يفهم بعض الناس إن دا تأثير فى كرامتنا، أبداً لن يؤثر على كرامتنا بشىء، احنا فى الماضى لم نقم أبداً وزن لاعتبارات الكرامة بالنسبة لمصلحة الوطن العربى، ويمكن فيه ناس بيقولوا حتروح يمكن ناس يكونوا شمتانين فيك! ما يهمش، احنا قمنا بواجبنا.. احنا قمنا بواجبنا بنينا جيش، قعدنا ١٠ سنين نبنى جيش من أجل قضية عربية.. من أجل الوطن العربى، لم نقصر أبداً، وفى وقت اللزوم لما هددت سوريا لم نتخاذل، كنا رجالة ووقفنا وقلنا ان احنا حنقف مع سوريا، ودا طبيعتكم، ودى صفات شعبنا، وما سبناش التانيين لوحدهم وقلنا احنا معاهم فى المعركة، هزمنا فى المعركة، زى ما باقول لكم فى المعارك ناس بتهزم ودول كبرى هزمت، احنا تآمرت علينا دول كبرى مع إسرائيل والتواطؤ اللى شرحته واضح، إذن احنا قمنا بعمل شريف، رغم النكسة ورغم احتلال أراضينا فى سينا قمنا بعمل شريف، جهزنا جيشنا وجهزنا نفسنا وصرفنا على جيشنا ولم نتخل عن واجبنا، ووقفنا موقف الرجال ودى طبيعة هذا الشعب.

النهارده بعدما حصلت النكسة بينتقدونا فى المملكة العربية السعودية، الجرايد كل يوم بتنتقدنا والإذاعة كل يوم بتنتقدنا، لما أنا اتكلمت يوم ٩ يونيو وقلت إن جالى رسالة من "كوسيجين" وجات لى رسالة من "جونسون"، تطلع الجرايد السعودية.. جرايد الملك فيصل وتقول ليه ما هجمتش الأول وهو قاعد هناك فى الرياض على بعد ٥٠٠٠ كيلو ما بعتش ولا عسكرى، ويقول ليه ما هجمتوش أنتم الأول ليه سمعت كلام.. أوامر "جونسون"؟ ليه سمعت أوامر "كوسيجين"؟ بقى احنا اللى بنسمع أوامر "جونسون"، دى دول بتتصل بنا والعلاقات بين الدول علاقات معروفة واحنا فى الأزمة.

بيقول ليه ما حاربتوش وما هجمتوش أنتم الأول، دى جرايد الملك فيصل وإذاعة الملك فيصل، طيب وهو عمل إيه؟ كام عسكرى بعتهم أثناء المعركة؟ ولا عسكرى احنا مش عايزين ندخل فى مهاترات تانى وممكن نرد عليهم، والرد سهل جداً، بس المصيبة جرايدهم ماحدش بيقراها وما حدش يعرف بتقول إيه.. احنا أول ما تنشر كل العرب وكل الدنيا بيقروا بيقولوا ان احنا بنهاجم السعودية وماحدش يفتكر أبداً إن السعودية من يوم العدوان لغاية دلوقتى بتهاجمنا.. بتهاجمنا فى جرايدها وبتهاجمنا فى إذاعتها، لكن لو بدينا احنا بكره نهاجم السعودية كل الدنيا حتقول إن عبد الناصر ابتدا المهاترات وبيهاجم الملك فيصل، وباقول دلوقت بقى لنا شهر ونص من يوم المعركة، الجرايد السعودية بتهاجمنا، الإذاعة السعودية بتهاجمنا وتظهر الشماتة فينا!

وبرغم كده، باقول ان احنا قمنا بالواجب والرجال دايماً يقوموا بالواجب، ما هربناش من المعركة، كوننا خسرنا المعركة مش عيب، لكن لو كنا هربنا من المعركة كان دا اللى يكون عيب، كان معناه ان احنا نيئس الناس كلها، كان معناه ان احنا نفقد الأمل فى أهدافنا، كان معناه ان احنا بنقول شعارات مالهاش معنى، كان معناه ان أنا باجى هنا وباقول لكم كلام وأنتم بترددوا كلام وهتافات لا معنى لها، كان معناه إن الكلام على قضايانا الوطنية وقضايانا العربية لا معنى له.

وأنا قلت لكم فى الأول إن الشعوب لازم تتحرك علشان تتقدم والشعوب لازم تخاطر علشان تكسب، وعلشان تنتصر، وإلا من الخوف ستتجمد الشعوب. احنا رغم هذا بنقول آه مستعدين نروح مؤتمر القمة، واللى عايز يساهم فى المعركة يساهم، واللى مش عايز يساهم مايساهمش، واللى عايز يساهم بقدر قليل بيساهم، ولكن النهارده احنا اللى موجودين واحنا اللى بنعبئ للمعركة واحنا اللى علينا المسئوليات، وجرايد الملك فيصل لا تشارك بأى شىء إلا أنها تنتقدنا طبعاً.. يمكن بعتوا لواء بعد انتهاء المعارك وبعد إيقاف النار إلى الأردن.

احنا لسنا ضد أى بلد عربى، احنا ما بنغيرش النظام الاجتماعى فى أى بلد عربى، واحنا مش ضد نفوذ أى بلد عربى، احنا ضد الاستعمار وضد نفوذ الاستعمار، ولكن نريد لأى بلد عربى أن يكون عربى أصيل.. عربى حقيقى.. عربى قومى. حينما اقترح رئيس جمهورية السودان مؤتمرات القمة وافقنا، ولكن نريد ضمانات نجاح لمؤتمرات القمة، ووافقنا على اجتماع وزراء الخارجية المقبل فى الخرطوم.

أيها الإخوة:

لابد من جبهة عربية، جبهة تواجه أعداءنا؛ أعداؤنا اللى هم إسرائيل ومن هم وراء إسرائيل، لابد أن نستطيع تحديد من هو العدو من الذى ساعد إسرائيل، من الذى وقف مع إسرائيل.

نحن لا نطالب أى واحد بأكثر مما يستطيع ولكن لا نرضى منه بأقل مما يستطيع، احنا غير مستعدين فى فترة المعركة مع العدو أن ندخل فى مهاترة ليس هذا وقتها.

لغاية دلوقت ما احناش حنرد على السعودية وما احناش حنرد على صحف السعودية، وأنا باقول هذا الكلام لأن أنا عارف لا الإذاعة حد بيسمعها ولا الجرايد حد بيقراها، وباقول للعالم العربى كله إن من وقت المعركة لغاية دلوقت الصحافة السعودية والإذاعة السعودية بتهاجمنا.

فى مجال العمل الدولى.. يجب أن نتكلم فى مجال العمل الدولى عن العدو والصديق، ودا يجرنا إلى الموقف الدولى، وبدى أقول إن الأمة العربية وشعوب الأمة العربية ومهما كانت ظروف النكسة التى تواجهها بتحسب وتقدر وتفرز العدو من الصديق، وسوف تحاسب الأمة العربية أعداءها وسوف تعامل بالمثل.

فى الدول الكبرى وقفت فرنسا موقف أخلاقى - من الدول الغربية - أما الباقيين أمريكا وبريطانيا أيدوا إسرائيل، الاتحاد السوفيتى.. الاتحاد السوفيتى وقف معانا أيدنا سياسياً وساعدنا اقتصادياً وعمل على تقوية قواتنا المسلحة، رئيس الاتحاد السوفيتى الرئيس "بودجورنى" جا لنا - هنا فى مصر - واتكلم معانا وقال لنا بوضوح إن الاتحاد السوفيتى يقف إلى جانبنا، وأنا قلت له بوضوح احنا مش عايزين الجيش الأحمر ييجى يحارب بالنيابة عنا، احنا نقدر نحارب، واحنا إذا كنا خسرنا معركة فأنا بافكرك بروسيا لما هجم عليكم "هتلر" خسرتم كذا معركة، ولكن اوعى تفتكر أبداً إن الشعب المصرى أو الشعب العربى عايز الجيش الأحمر ييجى يحارب.. الجيش السوفيتى ييجى يحارب بالنيابة عنه، احنا عندنا رجالة تعرف تموت ورجالة تعرف تستبسل، وعندنا فى تاريخنا رجالة ماتوا وعندنا رجالة مستعدين يموتوا.

طبعاً قلت هذا الكلام لأن الغرب كان عمل حملة على روسيا، وقال إن العرب زعلانيين لإن الاتحاد السوفيتى ما بعتلهمش قوات سوفيتية! ما أظنش ان احنا فكرنا إن تيجى قوات سوفيتية تحارب بالنيابة عنا.

وقفت معانا دول كتيرة صديقة، كلنا عارفين الدول الصديقة وقفت معانا، وقفت معانا الهند ووقفت معانا يوجوسلافيا ووقفت معانا الباكستان وغينيا ومالى وتنزانيا وزامبيا والكونجو، كل الدول الاشتراكية وقفت معانا، خارج الأمم المتحدة، وقفت معانا الصين وكوريا الشمالية وفيتنام الشمالية، وقفت معانا تركيا ووقفت معانا قبرص، دول كتيرة وقفت معانا، وقفت معانا اليونان ووقفت معانا أسبانيا. فيه لنا أصدقاء كتير وقفوا معانا.. فيه ناس يمكن كنا نعتبرهم أصدقاءنا ما وقفوش معانا، طبعاً دول كل واحد حنعامله فى علاقاتنا حسب الموقف اللى وقفه.

طبعاً فى الموقف الدولى بنحسب أمريكا، موقف أمريكا فى الأمم المتحدة، وكلكم قريتوه فى الجرايد، مافيش داعى ان أنا أعيده عليكم وازاى فضلت تضغط وتهدد وترشو بالمعونات علشان تحقق أهداف إسرائيل، إذا كانت الأمم المتحدة قد عجزت عن إصدار قرار بسحب قوات العدوان فالسبب الرئيسى هو الضغط الأمريكى.

أيها الإخوة المواطنون:

ليس هناك طريق مختصر وقصير ولكن الطريق طويل، وليس هناك طريق واحد ولكن طرق متعددة لابد أن نسلكها جميعاً للهدف الواحد، وأثق أننا - بعون الله - سوف نجتاز الطريق بصعابه ومشاقه، وأثق أننا - بعون الله - سوف نتحرك على كل الطرق المفتوحة أمامنا وسنصل.

أيها الإخوة المواطنون:

حينما يتكلمون عن السلام فأنا أقول لا يمكن لأى قوة أن تفرض السلام، القبول بفرض السلام معناه القبول بالاستسلام، وهم عايزينا نستسلم تحت اسم السلام، الطريق الوحيد أمامنا - رغم النكسة ورغم كل شىء - هو المحافظة على حقوق شعب فلسطين، ولن نتخلى عن حقوق شعب فلسطين.

أيها الإخوة المواطنون:

هذا أساس القضية لا يمكن أن نقبل السلام بمعنى الاستسلام، ولا يمكن - رغم النكسة ورغم احتلال سينا - أن نتخلى عن حقوق شعب فلسطين، لا يمكن أن نيأس ولا يمكن أن نكفر بأهدافنا ولا يمكن أن نفقد ثقتنا بأنفسنا أو بأمتنا العربية أو بشعبنا العربى.

أيها الإخوة:

إنى أثق أن أجيالاً قادمة سوف تلتفت إلى هذه الفترة وتقول كانت تلك من أقسى فترات نضالهم، لكنهم كانوا على مستوى المسئولية، وكانوا الأوفياء بأمانتها. وفقكم الله.

والسلام عليكم ورحمة الله.