خطاب الرئيس جمال عبد الناصر فى عيد الثورة التاسع من ميدان الجمهورية
٢٢/٧/١٩٦١

أيها الإخوة المواطنون:

غداً مع الصباح الباكر تبدأ ثورتكم سنتها العاشرة، فى مثل هذه الليلة وفى مثل هذا الوقت من تسع سنوات؛ كانت الثورة مازالت خطة فى الفكر، وأملاً فى الضمائر، وتحفزاً ينتظر ساعات الصباح الأولى لينطلق مع خيوط الضوء ويصنع نهاراً جديداً للأمة العربية كلها، بأمرها وبإرادتها، بمشيئتها المستمدة من أمر الله وإرادته ومشيئته.

لم تكن - أيها الإخوة - الطلائع الثائرة فى ليلة ٢٣ يوليو إلا تلبية لنداء شعبى، واستجابة لحاجة شعبية، وهذا هو الذى يعطى يوم ٢٣ يوليو معناه الأكبر وقيمته العظمى فى تاريخ أمتنا. إن الذى قرر نجاح الثورة لم يكن إحكام خطتها ولا براعة التدبير فيها، إنما النجاح الحقيقى للثورة تقرر بهذا التأييد الشعبى الإجماعى الذى وضعته الجماهير منذ اللحظة الأولى وراء الطلائع الثائرة، قوة وسنداً ونصراً. ولم تكن الثورة فى حقيقتها إلا محاولة شعبية مستميتة استجمعت فيها الجماهير التى أبت أن تغلب على أمرها رغم قوى الظلم.. وقوى الظلم بصورتيه، الاستعمار المحتل، والرجعية المستغلة. ولم تكن طلائع جيش تلك التى صنعت الثورة وإنما كانت جحافل شعب يريد أن يضع حياته على أساس جديد من الحرية الكاملة.. تسع سنوات مضت منذ ذلك اليوم - أيها الإخوة - والسنة العاشرة تبدأ غداً.

إن الجماهير العربية.. إن الجماهير التى كانت تئن من سيطرة الاستعمار، وتئن من الاستغلال رسمت خريطة أمتها بنفسها من جديد خلال هذه الفترة القصيرة من الزمن.. لقد بعثت الأمة العربية من جديد.

إن ملايين الفلاحين الذين كانوا فى بلادهم بلا حق ولا أمل يبنون اليوم على أنهارهم الكبرى أعظم الأعمال الهندسية فى العالم، على نهر الفرات، وعلى نهر النيل.

إن ملايين العمال الذين كان جهدهم وعرقهم يذهب إلى السادة الحكام يبنون اليوم نهضة صناعية من أعظم النهضات فى تاريخ الشعوب، أعظم ما فيها - أيها الإخوة - أنهم يصنعونها بأيديهم وبعرقهم.. أعظم ما فيها أنهم يصنعونها لأنفسهم ولأولادهم.. أعظم ما فيها أنهم يصنعونها على أحدث ما وصل إليه العلم الحديث.

إن مئات الألوف من الفنيين من العلماء والمتخصصين يقومون اليوم فى مراكز الأبحاث ومعاملها فى الجامعات والمعاهد، فى مؤسسات الإنتاج وفى ميادين الخدمة العامة.. يقفون فى شجاعة وتجرد، يقودون معركة تطوير شاملة، تمنح أمتهم حياة جديدة خصبة خلاقة.

إن مئات الألوف من الضباط والجنود يربضون اليوم بأقوى الأسلحة على حدود وطنهم يحرسون نضاله؛ يحرسون نضاله من أجل أن تعطى الفرصة له ليحقق ذاته، من أجل تحقيق رسالته، من أجل تحقيق أمانيه، ويتصدون لأعدائه الذين مازالوا يحاولون فرض الهزيمة عليه ليضربوا من ورائه نضال شعبه.

أيها الإخوة:

إن مجتمعاً جديداً يستكمل ملامحه الأساسية ليكون مبعث العزة والكرامة لكل فرد فيه، ليكون لكل منهم حقه، وليكون لكل منهم فرصته، ليكون لهم جميعاً حق ثابت فى الكفاية والعدل.

إن أمة جديدة تتحرك.. إن أمة جديدة تعيد كتابة التاريخ.. إن أمة جديدة تتحمل مسئولياتها لتكون قوتها دعامة للعرب جميعا، والأحرار جميعاً فى كل مكان لتكون لنضالهم قاعدة، ولتكون لسلامتهم حصنا وقلعة، لتكون قوتها دعامة للسلام، دعامة لمعارك التحرير، ليكون ثقلها كله إلى جانب الآمال المنطلقة إلى عالم يتم فيه نزع السلاح، ويستطيع فيه الإنسان أن يعيش بما ينبغى أن يكون للإنسان من قيمة عزيزة وأمن كريم.

أيها الإخوة المواطنون:

على أننى لا أريد هنا، ونحن نحتفل بهذا العيد، ونحن نتأهب لندخل صباح غد إلى السنة العاشرة من ثورتنا أن يكون الفخار بما حققنا هو حديثنا، هو غاية جهدنا.. أريد فى هذه الفرصة - أيها الإخوة - أن ندرس معاً موقفنا من جميع نواحيه.. نريدها فرصة لنتأمل صورة نضالنا الشاملة.. نريدها حساباً واضحاً نعرف به أين كنا، وأين نحن الآن، وأين نتجه إلى المستقبل.

إن هذا الحساب - أيها الإخوة - أمر بالغ الأهمية لكى ترى الأمة بوضوح مسئولياتها، ولكى ترى الأمة بوضوح أهدافها، ولكى ترى ما بلغته هذه الأهداف لكى ترى ما لازال محتما عليها أن تحققه، ولكى ترى ما يعترضها من العقبات، ولكى ترى ما يواجهها من مصاعب، ولكى ترى ما ينتظرها من آمال لكى تكون الأمة فعلا سيدة مصيرها، ولكى تكون الأمة حقيقة صانعة أقدارها، ولكى تكون هى حارسة أمانيها وحامية أهدافها.

إن أى فرد - أيها الإخوة المواطنون - ليس مخلداً، وليس هناك فرد من الأفراد مهما بلغت قيمته فى أمته إلا صفحة من تاريخ هذه الأمة.. الشعب هو الخالد المتجدد.. الشعب هو الباقى.. الشعب هو الخالد المتجدد والشعب هو الباقى، وهو صانع التاريخ كله.

أيها الإخوة المواطنون:

بعد تسع سنوات من الثورة نرى أننا حققنا مرحلة كبيرة من الأهداف بدون دماء، بدون حرب أهلية، بدون أحقاد. بالحب وبالوحدة الوطنية حققنا الأهداف، ولكن الشعب لم يضن بدمائه من أجل الاستقلال، ومن أجل تثبيت الاستقلال.. الشعب بذل روحه.. بذل دمه، بذل كل شىء لكى يحصل على الاستقلال، ولكى يثبت هذا الاستقلال.

الصورة التى وجدناها يوم قامت الثورة كانت الاستعمار، الإقطاع، الاستغلال، الأوضاع الطبقية والحواجز المصطنعة. وكانت أهداف الثورة - أيها الإخوة - منذ أول يوم واضحة تمام الوضوح .. منذ أول يوم.. من أول يوم فى الثورة أعلنا الأهداف الستة:

القضاء على الاستعمار وأعوان الاستعمار، القضاء على الإقطاع، القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال، إقامة عدالة اجتماعية، إقامة جيش وطنى قوى، إقامة حياة ديمقراطية سليمة.

من أول يوم فى الثورة قلنا دى مبادئ الثورة، قلنا هذه المبادئ الستة ستعمل الثورة على أن تحققها.. وكان من الواضح - أيها الإخوة - من أول يوم من أيام الثورة أنه لن يمكن لنا بأى حال من الأحوال أن نقيم عدالة اجتماعية، أو نقيم جيش وطنى قوى، أو نقيم حياة ديمقراطية سليمة إلا إذا قضينا على الاستعمار وعلى أعوان الاستعمار. وقام الشعب ليحارب فى منطقة القنال ليقضى على الاستعمار، وليخرج الإنجليز من البلاد.. قام الشعب وهو مصمم كل التصميم على أن يحصل على الحرية والاستقلال، فحصل على الحرية والاستقلال.

وكان من الواضح أيضاً - أيها الإخوة المواطنون - من أول يوم من أيام هذه الثورة، أنه لا يمكن إقامة عدالة اجتماعية طالما كان هناك ظلم اجتماعى، فكان لابد لنا من أن نقضى على الإقطاع، وقضينا على الإقطاع، وكان الشعب هو الجيش الكبير الذى حمى هذا البلد ونحن نقضى على الإقطاع.

حينما تحالف الاستعمار مع الإقطاع، وحينما تحالف الاستعمار مع الرجعية، كان الشعب هو الجيش الكبير الذى آلى على نفسه أن يحمى وطنه بدمه، والذى آلى على نفسه أن يبذل روحه فى سبيل الحرية الاجتماعية.. فى سبيل العدالة الاجتماعية والقضاء على الظلم الاجتماعى.

وكان من الواضح أيضاً - أيها الإخوة المواطنون - منذ أول يوم من أيام هذه الثورة أننا لن نستطيع أن نحقق العدالة الاجتماعية إلا إذا قضينا على الاحتكار وسيطرة رأس المال. وكانت الثورة منذ أول يوم لها ثورة سياسية وثورة اجتماعية؛ ثورة سياسية ضد الاستعمار وضد أعوان الاستعمار، وثورة اجتماعية ضد الإقطاع، والاحتكار والاستغلال، ودكتاتورية رأس المال.. ثورة اجتماعية استمر النضال فى سبيلها مئات السنين.. سنين وأجيال.. من قبل هذه الثورة ناس ماتت وضحت بدمها من أجل أن تعيش بحرية، ومن أجل أن تتمتع بالمساواة.. ناس ضحت بنفسها قبل قيام هذه الثورة من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية، ومن أجل القضاء على الظلم الاجتماعى.. الشعب لم يقف أبدا عن الكفاح، ولم يقف أبدا عن الجهاد.. الشعب الذى كان يئن من دكتاتورية رأس المال لم يخف، ولكنه تصدى لدكتاتورية رأس المال، لم تخدعه الألفاظ البراقة، ولكنه كان يريد لنفسه ولأبنائه من بعده العيش الحر الكريم.

أيها الإخوة:

هذه الثورة الاجتماعية التى ناضل من أجلها الآباء والأجداد أعلنا يوم ٢٣ يوليو أن لابد لها من أن تنفذ، وكان هذا هدفاً من أهدافنا الستة؛ إقامة عدالة اجتماعية، وكان هذا - أيها الإخوة المواطنون - شعار يمثل كل آمال هذا الشعب؛ يمثل نضال الطبقة المظلومة من أجل العدالة، يمثل نضال الطبقة المستغَلة من أجل الحرية والمساواة. وكان هناك فى هذه الأيام نضال من الطبقة المظلومة لتحصل على حريتها، ولتحصل على المساواة. وكان هناك أيضا - أيها الإخوة - نضال من جانب الطبقة المتحكمة المسيطرة من أجل السيادة، ومن أجل الاستعباد، ومن أجل الاستغلال. كانت هناك طبقة مظلومة تمثل ٩٥% من الشعب، حرمت من كل شىء لتخدم الطبقة السائدة والتى تمثل أقل من ٥% من الشعب، طبقة تعمل بالأجر تمثل ٩٥% من الشعب، مستغلة مستثمرة تقاسى من الاستغلال والاستثمار، وطبقة تملك كل شىء، تحصل على نتيجة عمل الشعب كله، عندها أكبر سلاح وهو رأس المال، دكتاتورية رأس المال، ديمقراطيتها تعبير عن دكتاتورية رأس المال. وكان من الواضح - أيها الإخوة - منذ أول يوم للثورة أن الأهداف التى أعلناها لا يمكن أن تتحقق إلا إذا تحرر المجتمع كله من الاستغلال بكل أشكاله والى الأبد.

كان هذا - أيها الإخوة المواطنون - واضحاً كل الوضوح من ٢٣ يوليو سنة ٥٢؛ لأنه كان يمثل مبدءاً أساسياً من مبادئ هذه الثورة. وكان من الواضح أن الأهداف لا يمكن أن تتحقق إلا إذا أقمنا المجتمع المتحرر من الاستغلال السياسى والاستغلال الاقتصادى، والاستغلال الاجتماعى. وكان لابد من أن نطبق المبادئ التى أعلناها؛ القضاء على الإقطاع، القضاء على الاحتكار، القضاء على دكتاتورية رأس المال وكل وسائل الاستغلال. وكان من الواضح أن هذا يعنى نهاية الظلم الاجتماعى، وإقامة عدالة اجتماعية، وكان معنى هذا أيضا أن الثورة التى نجحت ستعيد تشكيل المجتمع.

المجتمع اللى كنا عايشين فيه كان مجتمع فعلا ينقسم إلى طبقتين؛ طبقة السادة.. طبقة الحكام وطبقة العمال، طبقة الفلاحين، طبقة الأجراء؛ الطبقة اللى كان الواحد فيها لازم يعمل عشان ياكل، الطبقة اللى كان الواحد فيها لازم يوفر لابنه العمل علشان ياكل؛ لأن ابنه لن يستطيع بأى حال أن يكون عاطل بالوراثة، كما كان أبناء الطبقة الأخرى دائماً يكونون عاطلين بالوراثة. كان فيه طبقتين، ما نقدرش نقول ان احنا عايشين فى مجتمع بدون طبقات. كان فيه طبقة مستغلة.. كان فيه طبقة مسيطرة.. كان فيه طبقة متحكمة، وكان فيه طبقة تعمل وتبذل كل جهد معا لتستفيد به الطبقة التى تمثل أقلية هذا الشعب. وقلنا إنه لا يمكن بأى حال من الأحوال أن تسير الأمور على هذا الشكل، لابد أن نخلق المجتمع الجديد؛ نشكل المجتمع الجديد الذى ينبثق من أمانينا ومن آمالنا.. لابد أن نقيم البناء الاجتماعى الجديد الذى كافحنا من أجله، وناضلنا من أجله، والذى كافح من أجله آباؤنا. لا يمكن أن يخلق المجتمع الجديد - أيها الإخوة - بالشعارات وحدها، بل بالعمل؛ العمل الذى يخلق المجتمع الجديد.. العمل على إنهاء سيطرة رأس المال على الحكم، والعمل على إنهاء الإقطاع، والعمل على زيادة الإنتاج، والعمل على عدالة التوزيع.

سيطرة رأس المال على الحكم معناها دكتاتورية رأس المال، وبقاء البناء الاجتماعى والاقتصادى لخدمة مصالح فئة قليلة وطبقة محدودة.. لخدمة الطبقة الرأسمالية، وإذا سيطرت الطبقة الرأسمالية على البناء الاجتماعى والاقتصادى معناه السيطرة على الحكم بطريق مباشر أو غير مباشر، ومعنى هذا دكتاتورية الإقطاع ودكتاتورية رأس المال التى تحاول أن تخضع المجتمع كله للاستغلال والسيطرة. شفنا كلنا قبل الثورة ازاى الوزراء كانوا بيشتغلوا عند رأسماليين.. ازاى الوزراء كانوا بيقبضوا.. ازاى الوزير كان فى الحكم، وكان بياخد ماهيته من فلان أو من فلان.

أمثلة بهذا الشكل كانت معروفة واتقالت فى محكمة الثورة؛ إذن دكتاتورية رأس المال تحكم سواء كانت هى فى الحكم، أو تحكم بواسطة أعوانها أو عملائها وهى تبقى خارج الحكم، ولكنها تدير الحكم لنفسها ولمصلحتها، من أجل استغلال الشعب، ومن أجل تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح.

كان السبيل الوحيد حتى نبنى المجتمع الجديد، ونقيم الدولة الجديدة التى انبثقت عن ثورة ٢٣ يوليو هو القضاء على الإقطاع، والقضاء على الاحتكار، والقضاء على سيطرة راس المال.

أعلنت الثورة منذ أول يوم أنها تهدف إلى إقامة مجتمع اشتراكى ديمقراطى تعاونى، متحرر من الاستغلال السياسى والاقتصادى والاجتماعى، على أن يتحقق ذلك بالوسائل السلمية.. بدون حرب أهلية، بدون دماء، بدون انتقام طبقة من طبقة. وقلنا إن المجتمع منقسم إلى قسمين، أو منقسم إلى طبقتين؛ طبقة الملاك المستغلين الرأسماليين، وطبقة الأجراء.. والملاك المستغلين اللى أقصدهم هنا مش كل الملاك، ولكن الذى يستغل ملكيته حتى يحقق أكبر قدر من الأرباح على حساب الشعب.. وكان فيه طبقة الأجراء اللى هى تمثل العامل، وتمثل الفلاح، وتمثل الموظف، وتمثل كل واحد يأخذ أجر ليعيش.. كل واحد يعمل من أجل أن يعيش. والإقطاع والطبقة الرأسمالية جعلت دائماً من الحكم أداة فى يدها لتحقيق أغراضها، لحماية مصالحها، ولاستغلال الأجراء ومنعهم من المطالبة بحقهم.

حينما قامت الثورة كان هذا معناه ان سيطرة الإقطاع انتهت، سيطرة رأس المال انتهت، سيطرة الاحتكار انتهت، وكان معنى هذا ان الأمانى اللى كان الشعب بينادى بها ستأخذ طريقها للتنفيذ.. الأمانى اللى الشعب كان بيطالب بها ستأخذ طريقها للتنفيذ، المجتمع اللى كان كل واحد منا بيحلم به وبيفكر فيه لازم حنخططه ونرسمه ونبنيه وفق مشيئتنا، مش نعيش فى المجتمع اللى ورثناه؛ المجتمع اللى ورثناه من اللى عمله؟ احنا عملناه؟! هل آباؤنا عملوه؟! هل أجدادنا عملوه؟! المجتمع اللى احنا ولدنا فيه وخلقنا فيه عمله الاستعمار، وعمله الإقطاع.. عمله الاستغلال لمصلحته.. الاستعمار والإقطاع والاستغلال والرأسمالية المستغلة تحالفوا ضد هذا الشعب، هم اللى عملوا المجتمع، وهم اللى عملوا القوانين، وهم اللى رسموا الحياة اللى كنا بنحياها.. هل كنا سعداء بهذه الحياة؟ لم يكن هذا الشعب سعيداً بهذه الحياة، ولكن كان الشعب يريد حياة يصنعها بنفسه، ويخططها بنفسه، فكان لابد لنا حتى نحقق هذا الأمل من أن نعيد بناء المجتمع من جديد.. عشان نعيد بناء المجتمع من جديد لابد من إعادة البناء السياسى، ولابد من إعادة البناء الاجتماعى، ولابد من إعادة البناء الاقتصادى.

الثورة أما قامت يوم ٢٣ يوليو سنة ٥٢ مثلت البناء السياسى الجديد للدولة الجديدة، وأعلنت المبادئ التى تحدد البناء الاقتصادى الجديد والبناء الاجتماعى الجديد.. ثورة ٢٣ يوليو كانت تعنى أن الاستغلال السياسى انتهى، والاستعمار انتهى، وأعوان الاستعمار انتهوا، وأن الحكم تحرر من سيطرة الإقطاع ودكتاتورية رأس المال، وأن الحكم سيعمل لإقامة عدالة اجتماعية، وأن الحكم سيعمل لحل التناقض بين الطبقات.. الحكم سيقضى على الإقطاع، سيقضى على الاستغلال، سيقضى على الاحتكار، سيقضى على دكتاتورية رأس المال.. الحكم سينصف المظلومين من الظالمين، وسيقيم عدالة اجتماعية.

معنى البناء السياسى الجديد أن الثورة ستحرر الأجراء من سيطرة رأس المال واستغلاله، من سيطرة الإقطاع واستغلاله.. الثورة ستعمل من أجل الشعب كله.. الشعب الذى يعمل.. الثورة ستحول الأجراء إلى ملاك غير مستغلين، أو ترفع عن الأجراء الظلم والاستغلال.. الثورة ستعمل على إعادة البناء الاجتماعى، وستعمل على إعادة البناء الاقتصادى لصالح الشعب كله، لصالح الأمة كلها، لا لصالح طبقة من الطبقات وحدها.. الثورة ستعمل على حل مشاكل الصراع الطبقى لصالح الطبقة المظلومة والعاملة؛ لتحررها من الظلم ولتحررها من الاستغلال.. الثورة التى قامت يوم ٢٣ يوليو كانت تهدف إلى تحقيق كل هذا بالوسائل السلمية، وكانت تعمل لتحقيق هذا بدون سفك دماء، وهذه - أيها الإخوة المواطنون - مفخرة لثورتكم؛ لأنها استطاعت أن تحقق الأهداف وهى ثورة بيضاء، بدون دماء، وبدون حرب أهلية.

منذ أول يوم للثورة تعرضت الثورة لهجوم عنيف من الاستعمار.. ليه من الاستعمار؟ لأن الاستعمار الذى شعر أن البناء السياسى الجديد مش حياخذ أوامر منه.. الاستعمار كان بيدى أوامر للوزارات.. كان بيدى أوامر للحكام.. كان بيدى أوامر فى هذه البلاد.. وكان الاستعمار يرى أن أوامره تنفذ.. منذ قامت الثورة عرف الاستعمار أنه لن يستطيع أن يعطى أوامر، طبعا معنى هذا أن هناك بناء سياسى جديد، ولابد لهذا البناء السياسى الجديد الذى تمثل فى الثورة من أن يقضى على الاستعمار.

وهذا ما حصل فعلاً.. تعرضت الثورة أيضاً لهجوم من الإقطاع.. ليه؟ لأن الإقطاع من أول يوم حس ان البناء السياسى الجديد.. الثورة أسقطته من الحكم، وطبعاً شعر بعد ذلك فى الحال أن سقوطه من الحكم معناه سقوط الإقطاع وتحرر ملايين الفلاحين.. هجوم من الرأسمالية المستغلة التى كانت تحكم متحالفة مع الإقطاع؛ لأنها شعرت أنها فقدت الحكم، وأن البناء السياسى الجديد؛ اللى هو الثورة، السلطة السياسية الجديدة؛ اللى هى الثورة، تعنى إنهاء ديكتاتورية رأس المال، تعنى إنهاء الظلم الاجتماعى، تعنى إقامة عدالة اجتماعية، تعنى أن يسترد الشعب حقوقه، تعنى انتهاء السيطرة والاستغلال والتحكم. واجهت الثورة أيضاً هجوم من الانتهازية التى كانت تعيش على فضلات الاستعمار والإقطاع ورأس المال المستغل؛ لأن الانتهازية شعرت وعرفت أن دورها قد انتهى، ولن تستطيع أن تعيش على فتات ما ينهبه الإقطاع ورأس المال، ولن يمكن لها أن تعيش إلا بالعمل، والعمل وحده. والانتهازية لا تريد أن تعمل، ولكنها تريد أن تحصل على المكاسب بأن تكون خادمة للإقطاع أو للاستغلال أو للاحتكار.

كانت هذه الحملات التى واجهت الثورة من الداخل ومن الخارج ليست إلا دفاعاً عن أوضاع اجتماعية ورثناها سيطر فيها الاستعمار وأعوانه، سيطر فيها الإقطاع، سيطرت فيها الرأسمالية المستغلة، وقالوا لنا - أيها الإخوة - بعد الثورة بشهر، واللا بعد الثورة بشهرين: "فليعد الجيش إلى ثكناته، اتركوا الحكم لأهل الحكم، واتركوا السياسة لأهل السياسة".

من الذى كان يحكم؟.. من هم أهل الحكم؟ أهل الحكم كان الاستعمار، وكان الإقطاع، وكان ديكتاتورية رأس المال.. أهل الحكم كان الاستغلال.. أهل الحكم كانت الانتهازية. وكانت هذه شعارات أطلقوها علشان يخدعوا الشعب ويضحكوا عليه؛ لأنهم كانوا يعرفوا انهم أصبحوا عجزة، ولا يستطيعوا بأى حال من الأحوال أن يحققوا أهدافهم، وأن يضعوا السلاسل مرة أخرى فى رقاب هذا الشعب طالما فقدوا السلطة السياسية، وطالما أصبح البناء السياسى فى هذه الجمهورية يعمل من أجل أبناء الجمهورية، لا من أجل فئة قليلة من الناس تستغلهم وتستثمرهم.. أصبح البناء السياسى فى هذه الجمهورية يعمل من أجل الشعب جميعاً، لا من أجل فئة قليلة من الناس.

رفعوا هذه الشعارات، فهل خدعتكم هذه الشعارات؟ لم يخدع الشعب بهذه الشعارات؛ لأنه كشفها وأسقطها كما أسقط قبل هذا الإقطاع والاستعمار، وكما أسقط قبل هذا حكم الاستغلال.. الشعب لم يكن بأى حال من الأحوال أن يفقد وعيه، وأن يتخلى عن أمانيه وعن آماله، وأن يساق خلف الشعارات المضللة والشعارات الكاذبة.

قالوا نريد عودة الديمقراطية - بعد شهرين من الثورة - وهل كانت هناك ديمقراطية لتعود؟ هل يمكن أن نسمى حكومة الإقطاع، أو حكومة الطبقة الإقطاعية، أو الطبقة الرأسمالية المستغلة ديمقراطية؟ هل يمكن أن نسمى ملكية ٥% من الناس لكل موارد البلاد ديمقراطية؟ هل يمكن أن نسمى سيادة طبقة قليلة على الشعب كله تنهب موارده ديمقراطية؟

إن الاسم الوحيد لهذا هو ديكتاتورية الإقطاع ورأس المال.. ديكتاتورية رأس المال، هذه الديكتاتورية التى استغلت كل الوسائل لتبقى الطبقة السائدة، استغلت اسم الديمقراطية. وهل يمكن - أيها الإخوة - أن توجد ديمقراطية بدون عدالة اجتماعية؟ هل يمكن أن توجد ديمقراطية مع الظلم الاجتماعى؟ إن الديمقراطية أساساً هى إقامة عدالة اجتماعية، وإنصاف الطبقة المظلومة من الطبقة الظالمة.. الديمقراطية أساساً هى ألا يكون الحكم احتكاراً للإقطاع ولرأس المال المستغل، بل أن يكون الحكم لصالح الأمة كلها، أن يكون الحكم منصفاً للمظلوم من الظالم.. الديمقراطية - أيها الإخوة - لا توجد بمجرد إصدار الدستور، أو قيام البرلمان.. الديمقراطية لا يحددها الدستور، ولا يحددها البرلمان بل توجد بالقضاء على الإقطاع والقضاء على الاحتكار، والقضاء على سيطرة رأس المال.. فلا حرية - أيها الإخوة - بلا مساواة، ولا ديمقراطية بدون مساواة، ولا مساواة مع الإقطاع، ولا مساواة مع الاستغلال، ولا مساواة مع سيطرة رأس المال.

أيها الإخوة المواطنون:

الدستور - أيها الإخوة - الدستور يهب الحرية، والدستور يعطى الديمقراطية ولكن الإقطاع يسلب الحرية والديمقراطية، الاستغلال يسلب الحرية والديمقراطية، ديكتاتورية رأس المال تسلب الحرية والديمقراطية، فلا حرية حقيقية، ولا ديمقراطية حقيقية إلا بالقضاء على الإقطاع والاحتكار والاستغلال وسيطرة رأس المال.

أيها الإخوة:

حاربونا بكل شعار من الشعارات، وبكل وسيلة من الوسائل؛ لأنهم كانوا يدافعون عن مصيرهم وعن مصالحهم.. استغلوا الطائفية كسلاح يخدعون به الشعب المظلوم حتى يستمروا فى السيطرة.. الطائفية لم تكن إلا وسيلة لخلق التعصب الدينى، والتعصب يؤمن الإقطاع ويؤمن الرأسمالية المستغلة وسيطرتها.. الطائفية تقسم الطبقة العاملة المظلومة، وتدفعها بسلاح التعصب الأعمى؛ لكى تحارب وتناضل لا فى سبيل الظلم أو فى سبيل إقامة عدالة اجتماعية، أو فى سبيل إنهاء الإقطاع أو الاستغلال أو سيطرة رأس المال، بل لتحارب بعضها البعض.. فى سبيل إيه؟ فى سبيل إيه الطائفية تدفع الطبقة العاملة، الطبقة الأجيرة، لأن تحارب بعضها البعض؟ فى سبيل تأمين سيادة الطبقة السائدة، فى سبيل تأمين الرأسمالية المستغلة، فى سبيل تأمين الإقطاع.

الطائفية السياسية لا تخدم إلا مصالح الرجعية والإقطاع والرأسمالية المستغلة، وإذا بصينا وحاولنا نعرف العلاقة بين زعماء الطائفية السياسية والدين نجد لا علاقة، هل حد منهم بيروح جامع أو بيروح كنيسة؟ مافيش طائفية ومافيش استخدام للدين إلا فى السياسة، ليه؟ لأن هم بهذا يريدوا أن يؤمنوا مصالح الطبقات الرجعية التى تستغل الطبقات العاملة التى تكافح من أجل حريتها ومن أجل رفع الظلم عنها.. بيستغلوا هذه الطبقات ليقسموها.. بيستغلوا هذه الطبقات ليدفعوا كل جزء منها ضد الآخر.

تحالف الاستعمار - أيها الإخوة - وتحالف أعوان الاستعمار، واستخدموا كل هذه الأسلحة ضد الثورة، ولكن الثورة اللى قامت على المبادئ السليمة؛ المبادئ اللى بتعبر عن أمانى وآمال هذا الشعب نجحت وفشل الاستعمار، وفشل أعوان الاستعمار.. ليه الثورة نجحت؟ كان الشعب ووعى الشعب هو الدرع الحقيقى لهذه الثورة، كان الشعب الذى هب للدفاع عن الثورة وعن البناء السياسى، بل أمام العدوان المسلح؛ لما تعرضنا للعدوان المسلح فى سنة ٥٦ هب الشعب كله يحمل السلاح، بل هب الشعب العربى فى كل بلد عربى علشان يقف ضد العدوان؛ لأنه كان يشعر أن الأمة العربية كلها قد استيقظت وانطلقت فى طريقها، وما هذا العدوان الثلاثى إلا محاولة أخيرة للاستعمار والرجعية لتقضى على بعث الأمة العربية الجديد، ولتقضى على وثبتها.. هب كل واحد كل عربى فى كل بلد عربى علشان يقف ضد العدوان.

ولكن هل استطاع الاستعمار أن ينتصر؟ هل استطاع العدوان أن ينتصر؟ أبداً.. استطاع هذا الشعب الباسل، هذا الشعب الوديع، هذا الشعب المكافح أن ينتصر، وانتهى الاحتلال، وانتهى الاستعمار، وانتهى أعوان الاستعمار، وتم لنا - أيها الإخوة المواطنون - بناء الجيش الوطنى القوى الذى نتمناه، وعرفت إسرائيل - قاعدة الاستعمار فى الأمة العربية - أن الشعب العربى لن يتخلى عن حقوقه، وأن حقوق شعب فلسطين لابد أن تعود.

كان السبب والعامل الأساسى فى كل هذا هو البناء السياسى الذى قام من أول الثورة يوم ٢٣ يوليو؛ البناء السياسى الذى قضى على الحكم المستبد، والذى قضى على الملكية والذى أقام الجمهورية.. البناء الجديد الذى يتمثل فى ثورتكم كان معناه كل هذا؛ قضاء على الاستعمار، وحصول على الاستقلال، وتثبيت للاستقلال، هزيمة للعدوان، قضاء على الإقطاع وعلى الاحتكار وعلى سيطرة رأس المال.

البناء السياسى اللى قام يوم ٢٣ يوليو، واللى لازال لغاية النهارده فى هذه البلد هو الذى استطاع أن يحقق أهداف هذا الشعب مرحلة مرحلة.. ليه؟ لأن الشعب كان باستمرار له أهداف، وكان يريد أن يكون البناء السياسى ملكه يحقق هذه الأهداف، ولكن كانت هناك الطبقة المستغلة، كانت تحكم، وكانت تحقق أهدافها وتتنكر لأهداف الشعب.

البناء السياسى اللى قام يوم ٢٣ يوليو هو اللى حيحقق البناء الاجتماعى، هو اللى بيحقق البناء الاقتصادى، وقد بدأ هذا العمل فعلاً أيها الإخوة. نجاح البناء السياسى كخطوة أولى مكننا من أن نقضى على الإقطاع، ومكننا من أن نعمل على إقامة المجتمع الجديد.. نبنى المجتمع الجديد على أساس من العدالة.. حتى نعيد البناء الاجتماعى والاقتصادى كان لابد لنا من أن نجرد ديكتاتورية رأس المال من أسلحتها الرئيسية؛ فلو حافظت ديكتاتورية رأس المال على هذه الأسلحة، وقعدوا يطبطبوا علينا على أساس ان احنا بنقول شعارات اشتراكية، بس شعارات ما بنطبقهاش، ويقولوا إنهم مبسوطين قوى ان شعارات الاشتراكية دى ما بتمسهمش، ويقولوا ما تمسوش الملكية الخاصة لأن دا يتنافى مع العدالة أو مع الديمقراطية، معنى هذا ان احنا بنترك رأس المال علشان ينتهز الفرصة المناسبة ويفضل يتمسكن لغاية ما يجد الفرصة وينقض علشان يستولى على البناء السياسى، أسلحته إيه؟ أسلحة رأس المال المستغل إيه؟ أسلحة ديكتاتورية رأس المال إيه؟ أسلحة الإقطاع إيه؟ سلاح الإقطاع الأرض، وسلاح رأس المال المستغل هو أدوات الإنتاج التى يستغل بها هذا الشعب.

كان لابد لنا من أن نجرد الطبقة التى تحكمت فينا فى الماضى من أسلحتها بطريقتنا، بطريقة سلمية، بطريقة مافيهاش دماء، بطريقة تتمشى مع طبيعتنا، بطريقة تتمشى مع تقاليدنا العربية، ما قلناش ان احنا حننتقم، ما قلناش إن الطبقة العاملة ستهزم وستهدم الطبقة الأخرى، وتقضى عليها، وتصادر كل أموالها.

اشتراكيتنا مش كده.. اشتراكيتنا اشتراكية قائمة على الإخاء والوحدة الوطنية.. قلنا بنحدد الملكية وقررنا تعويض.. قلنا بنؤمم وقررنا تعويض، قررنا أرباح.. قلنا سنحول الأجراء والطبقة المظلومة إلى طبقة تتمتع بحقها فى الحياة، وما قلناش أبداً ان احنا حنحرم الطبقة الظالمة ونحولها إلى طبقة من المعدمين.. ما قلناش هذا الكلام، بل قلنا ان احنا عايزين نبنى بلدنا فى إطار من الوحدة الوطنية، وفى إطار من المحبة، ولكن ليس معنى ان احنا عايزين نبنى بلدنا فى إطار من الوحدة الوطنية ونبنى بلدنا فى إطار من المحبة، ان احنا نترك للإقطاع سلاح ونترك لرأس المال المستغل سلاح ليستخدمه ضدنا حينما يجد الفرصة ليعود مرة أخرى ويستولى على البناء السياسى ليسيطر ويحكم، ويدير الدولة لمصلحته، ويعيد الشعب مرة أخرى إلى طبقة من المستغلَين، ليزيد أرباحه ويزيد تحكمه وسيطرته.

من أجل حماية البناء السياسى للدولة، البناء السياسى الذى يؤمن تحقيق أهداف الثورة، البناء السياسى الذى يساعد على إقامة عدالة اجتماعية.. من أجل البناء الاجتماعى الجديد والبناء الاقتصادى الجديد تم القضاء على الإقطاع، والقضاء على الاحتكار، والقضاء على سيطرة رأس المال المستغل.. أعلن قانون تحديد الملكية الزراعية، ووزعت الأرض على الفلاحين، أممت الشركات والمؤسسات والبنوك وشركات التأمين.

أيها الإخوة:

هذا الإجراء.. هذا الإجراء.. يهدف... (تصفيق حاد استمر عدة دقائق)

أيها الإخوة.. أيها المواطنون:

هو فاضل حاجة؟.. احنا أممنا كل حاجة لغاية دلوقت..

أيها الإخوة:

احنا سرنا فى هذا الطريق، البناء الاجتماعى والبناء الاقتصادى مش من النهارده بس، من أول يوم من أيام الثورة.. كانت قنال السويس رد الأموال التى هى من حق الشعب إلى الشعب: فى سنة ٥٦ أممنا أموال الإنجليز وأممنا مؤسسات الإنجليز ومؤسسات الفرنساويين، بعد كده فى سنة ٦٠ أممنا المؤسسات البلجيكية، وأممنا مؤسسات بنك مصر، وأممنا البنك الأهلى، وأقمنا صناعات كبيرة ومنشآت كثيرة ملكية خالصة للأمة؛ لأن التأميم معناه أن المؤسسة أو المنشأة هى ملك للأمة.

الأيام اللى فاتوا أممنا وحولنا إلى القطاع العام ٤٠٠ مؤسسة، من ٣ أيام أصبحوا داخل القطاع العام؛ وهذا يعنى تحويل الملكية الرأسمالية المستغلة إلى ملكية عامة للشعب، ملكية مشتركة للشعب.. كان هدفنا من هذا إيه؟ هدفنا أن نزيل التناقض الطبقى.. هدفنا ألا تبقى الملكية فى يد فئة قليلة من الناس ويحرم كل أبناء الشعب.. هدفنا‍ أننا نجعل الملكية فى هذا الحال ملك للأمة.. ماكانش هدفنا أبداً ان احنا نعاقب فرد أو نعاقب مجموعة من الناس؛ لأن إذا كنا عايزين نعاقبهم كنا صادرنا، ماكناش ادناهم سندات بأسهم بفايدة ٤%.

كنا بنحل التناقض اللى موجود بين الطبقة التى ملكت كل شىء وورثت كل شىء، وبين أغلبية الشعب الذى حرم من كل شىء. وكنا نريد أن نحقق هذا كله بوسائل سلمية، بدون ما ندبح حد، بدون ما نسيح دم حد، بدون ما نحقد على حد.. ما قلنا لهمش أبدا إن كان فيه ناس مش لاقية تاكل نتيجة استغلالكم، وعلشان كده حنعاقبكم ونشردكم، ونخليكم ما تلاقوش تاكلوا، ونحولكم إلى معدمين.. لا حقد فى نفسنا، لا حقد فى قلبنا، لا حقد فى الطبقة العاملة التى تعيش على أجرها. والطبقة العاملة - زى ما قلت - بتبتدى من رئيس الجمهورية اللى بيعيش على ماهيته الى العامل اللى بيعيش على ماهيته، هى دى الطبقة العاملة.. الطبقة العاملة اللى بتعمل بأجر.. الطبقة العاملة اللى كانوا يشوهوا قيمتها، وحاولوا إنهم يجعلوها شىء محتقر.

العمل شرف، كل واحد كان بيعمل.. لازم كلنا النهارده كمان نقضى على المتناقضات اللى ورثناها من الأرستقراطية ومن أشباه الأرستقراطية. فى الماضى كان الواحد يستنكف انه يقول إنه من الطبقة العاملة وإنه عامل، وكانوا بيعتبروا ان الطبقة العاملة دى شىء منبوذ، وكان الواحد الموظف اللى لو ما قبضش أخر الشهر ما يقدرش ياكل ما يرضاش أبداً يقول إنه من الطبقة العاملة، لازم يقولوا له يا سعادة البيه ولازم يفخموه، وهو أخر الشهر لو ما قبضش العشرة جنيه لاحيدفع إيجار البيت ولا حيدفع البقال ولا حيلاقى ياكل، هى دى الطبقة العاملة زى ما نفهمها.

كل واحد بياخد مرتب وبياخد ماهية طبقة عاملة.. راحوا حتى قسمونا فى المصانع؛ قالوا فيه نقابة للعمال، وفيه نقابة للموظفين. طب إيه الفرق بين العمال والموظفين؟ العامل بيعمل وبيأخذ أجره، والموظف بيعمل وبيأخذ أجره، والاثنين لو ما خدوش أجر آخر الشهر مش حيلاقوا ياكلوا؛ يعنى الاثنين متساويين فى كل شىء، إذن عملية التفرقة المصطنعة اللى بثها الاستعمار بيننا لابد لنا أن نقضى عليها. كل من يأخذ أجر فهو عامل، كل من يأخذ أجر على عمله فهو عامل، من أول رئيس الجمهورية الى العامل اللى بيشتغل بالفاس؛ دا تفسيرنا ودا مفهومنا للطبقة العاملة.

الطبقة اللى أنا باقول عليها الطبقة الرأسمالية المستغلة إيه هى؟ مش معنى هذا ان أى واحد يملك مستغل.. أقصد بالطبقة الرأسمالية المستغلة اللى بيستخدموا فلوسهم علشان يستغلوا هذا الشعب ويمصوا دمه. لكن مش معنى هذا إن أى واحد مالك بنبقى ضده، يعنى فيه ملاك ولكن لا يستغلوا.. فيه ملاك ثروتهم نتيجة عملهم، ما بيستخدموش هذه الثروة للاستغلال. فاحنا مش ضد الملكية بصورة مطلقة، ولكنا ضد الاستغلال. لو كنا ضد الملكية بصورة مطلقة كنا صادرنا ماكناش ادينا سندات، والسندات دى تساوى فلوس وتساوى أموال، ماكناش ادينا فوائد، كنا صادرنا كل شىء، وكنا نمنع الملكية، ولكنا نقول إن الملكية وظيفة اجتماعية، إذا اتجهت إلى الاستغلال فقد خرجت عن وظيفتها. وطبعاً المجتمع اللى ورثناه من الاستعمار، ومن الإقطاع، ومن أعوان الاستعمار، ومن الرجعية، كانت فيه الملكية إلى حد كبير وسيلة من وسائل الاستغلال؛ إذن لابد أن نعيد تكوين البناء الاجتماعى كما نريد، لابد أن نقيم المجتمع الاشتراكى الديمقراطى التعاونى كما نريد، ودا يستدعى ان احنا نؤمم هذه المنشآت التى استخدمت فى الاستغلال.

كانت هذه الطريقة هى السبيل الوحيد علشان نقضى على التناقض الاجتماعى.. كان من الضرورى أيضا أن نتخذ خطوات أخرى.. إشراك العامل فى إدارة المؤسسة أو إدارة المصنع له معنى كبير جداً، يمكن أكبر من نسبة الربح؛ لأن كان صاحب رأس المال برأسماله بيقيم مصنع، ولكن هل كان يستطيع أنه يدير هذا المصنع بدون العمال؟ مش ممكن طبعا. إذن صاحب رأس المال بيتعاون مع العمال على إدارة هذا المصنع؛ إذن لا يمكن لمصنع أن يعمل بلا عمال؛ إذن انفراد صاحب رأس المال بالإدارة يعتبر ظلم اجتماعى؛ لأن رأس المال وظيفة اجتماعية، والعمل اللى بيقوم به العامل وظيفة اجتماعية؛ إذن رأس المال والعمل لابد أن يشتركوا فى الإدارة؛ إذن لا يمكن أن نساوى العامل بالآلة، الاشتراكية التى نتجه إليها هى اشتراكية إنسانية تؤمن بالفرد وتؤمن بحق الفرد فى الحياة، دا معنى الإدارة. بعدين إشراك العامل فى الربح.. صدرت القوانين التى أشركت العامل فى الإدارة، وصدرت القوانين التى تعطى العمال ٢٥% من الأرباح، معنى هذا إيه؟ معناه قضاء على ظلم اجتماعى وإقامة عدالة اجتماعية، واحد رأسمالى بيقيم مصنع بيدّى ويقيم الآلات، ويستخدم العمال يديهم الأجر.. هم ساهموا بعملهم هو ساهم بأمواله، هو بياخد أكثر من ٦٥% من الأرباح وبيترك للعمال حوالى ٣٠ - ٣٢% من الأرباح اللى بتطلع.. هل دى عدالة؟ طبعاً دا ظلم اجتماعى.

صاحب العمل بيساهم برأس ماله فى إقامة المصنع، العامل يساهم بعمله فى إقامة المصنع، صاحب العمل بياخد فايدة على الفلوس اللى حطها والعامل بياخد أجر على عمله، واللى بيزيد عن كده بيتقسم بين الاثنين؛ بين صاحب العمل وبين العامل، بيطلع لابد للعامل أن يأخذ ربع الأرباح.

الأوضاع اللى احنا كنا فيها كانت كالآتى: الدخل القومى فى الصناعة ٣٢% منه بيروح أجور للعمال و٦٨% بيروح أرباح لأصحاب العمل، طبعاً إن دل دا على شىء بيدل على تناقض اجتماعى.

وبعدين احنا قررنا مضاعفة الإنتاج، وقررنا زيادة الخطة..الدخل القومى فى سنة ٦٤ حيزيد كم؟ حوالى ٣٠٠ أو ٢٧٠ مليون جنيه.. حوالى هذا المبلغ بالتقريب، ولكن فى النسبة المئوية كان اللى حيدخل لصاحب العمل بدل ما هو ٦٨% كان حيزيد إلى ٧٢% واللى بيدخل للعمال بدل ما هو ٣٢% كان حينزل إلى ٢٨%، نظراً لاستخدام الصناعة الآلية "والأوتوميشن" والآلات الجديدة اللى بتاخد عدد قليل من العمال. طبعاً دا إن مثل شىء يمثل ظلم اجتماعى، ويمثل أكبر أنواع الاستغلال، إذا كانت الملكية ملكية للشعب هذه الأموال ستستخدم لصالح الشعب.

طبعاً هذه الخطوات ليست الخطوات الأخيرة لبناء بلدنا اجتماعياً وبناء بلدنا اقتصادياً، ولكن سنقوم بخطوات أخرى فى خلال هذا العام، أول خطوة من هذه الخطوات هى تحديد ساعات العمل بـ ٧ ساعات بدل ٨ ساعات. (تصفيق).

سيطبق هذا النظام بالتدريج، واحنا نهدف إلى أن يكون الدخل القومى مقسم بطريقة عادلة. النهارده العمال فى الصناعة والكهربة بياخدوا ٣٢%، احنا بنتجه إلى رفع هذا إلى ٥٠% و٦٠ و٧٠%. الخطوات اللى أخذت بخصوص إعطاء العمال ٢٥% من الأرباح بتزيد النسبة المئوية، ولكن خطوة تخفيض ساعات العمل من ٨ ساعات إلى ٧ ساعات بنفس الأجر اليومى تعنى إيه؟ ان احنا حنزود عدد العمال ونزود القاعدة العمالية.. طبعاً أما حتقل ساعات العمل حيزيد عدد العمال فى الصناعة، فى نفس الوقت لازم نزيد الإنتاج، ولازم كل مصنع يعمل ٣ ورديات. العمال مسئولين عن زيادة الإنتاج، الحكومة مسئولة عن تصريف هذا الإنتاج، وعن بيع هذا الإنتاج. دى الوسائل اللى بواسطتها حنقدر نبنى مجتمعنا الاشتراكى الديمقراطى التعاونى، المتحرر من الاستغلال السياسى والاقتصادى والاجتماعى؛ دى العدالة الاجتماعية التى أعلنتها الثورة، دى الاشتراكية الديمقراطية التعاونية.

احنا فى ثورة ٢٣ يوليو ما بنصلحش، احنا بنغير تغيير كامل.. إذا قلنا حنصلح فى المجتمع والله ما حنقدر نعمل حاجة.. لازم نغير المجتمع تغيير كامل من أساسه، ولازم نبنى مجتمع جديد من أساسه يتمشى مع أمانينا، ويتمشى مع ما كافحنا من أجله.. لازم نبنى دولة جديدة، ولازم نقيم ديمقراطية جديدة.. لازم نبنى دولة جديدة بنظام سياسى جديد، وبنظام اقتصادى جديد، وبنظام اجتماعى جديد.. لازم نبرهن على ان اشتراكيتنا هى تحرير الإنسان من العبودية بكل أشكالها.

الاشتراكية اللى احنا بنعمل فى سبيلها معناها ديمقراطية اجتماعية، ومعناها ديمقراطية سياسية، لازم نبنى دولة جديدة من كل نواحيها على أساس من العدالة، على أساس من التوزيع العادل، على أساس من الفرص المتكافئة؛ معنى الاشتراكية مش بس الاقتصاد؛ معنى الاشتراكية الديمقراطية التعاونية ان احنا بنخطط حياتنا، بنبنى حياتنا كلها زى ما احنا عاوزين فى الاقتصاد، فى العمل، فى الأجور، فى ساعات العمل، فى العلاقة بين أفراد المجتمع، فى التعليم، فى التأمين الاجتماعى، فى الثقافة. هذه الاشتراكية الديمقراطية التعاونية اللى احنا بنبنيها بنحدد فيها زى ما احنا عايزين مكان الفرد.

طبعاً لابد أن نفهم أن الاشتراكية طريق لا نهاية له؛ لأن الاشتراكية اللى بننادى بها هى تطوير مستمر للمجتمع؛ تطوير مستمر وفقاً لحاجات المجتمع، احنا قلنا عايزين نخلق مجتمع ترفرف عليه الرفاهية. فيه ناس قالوا لى إيه المقصود بالاشتراكية؟ طب حنوصل لغاية فين؟ طب حددوا لنا خطة.. ما نقدرش.. واحد مشى فى سكة مالهاش آخر، وهى دى المبادئ اللى احنا أعلناها يوم ٢٣ يوليو. آخرها امتى؟ آخرها نسبى.. بنقول عايزين مجتمع ترفرف عليه الرفاهية.. النهارده بالنسبة للعامل معتبر الـ ٢٥% حاجة كبيرة، بعد سنتين تلاتة بيقول لأ، إنه عايز فيلا، بعد ١٥ سنة بيقول أنا عايز ألاقى عربية وتلاجة، وعايز كذا وكذا... عملية نسبية، وكلنا لازم نعمل من أجل هذا، دا المجتمع اللى هو بترفرف عليه الرفاهية. احنا علشان نبنى هذا المجتمع لازم نبنيه بعرقنا، ونبنيه بعملنا، ونبنيه بكدنا، ونبنيه بجهدنا، ونبنيه بالمحبة، ونبنيه بالإخاء.

الاشتراكية التى ننادى بها طريق للحياة، أساس هذا الطريق العدالة الاجتماعية والمساواة الاجتماعية. الطريق اللى احنا حنبنيه طريق بيتمشى معانا.. بنقول حنبنى اشتراكية، وبناخد خطوات مستمرة.. بنقول حنقيم مجتمع تعاونى نظيف، ازاى نطبق المجتمع التعاونى النظيف اللى احنا عايزينه؟ ازاى نخلقه؟ هل فعلاً نقدر نكون قانعين أو مرتاحين إذا كان المجتمع التعاونى اللى احنا بنبنيه مجتمع قائم على الربا وعلى الاستغلال؟ دا شىء ورثناه، احنا ورثنا الربا، اتخلقنا لقينا فيه ربا فى بلدنا.

طبعاً كلنا نكره الربا ونكره الفايدة، ولكن التعامل الاقتصادى مش بهذا الشكل، بنعمل تجربة جديدة فى مجتمعنا، بنجرب نلغى الربا والفايدة فى ناحية من النواحى، حنجرب دا فى بنك التسليف الزراعى التعاونى، مش حنسلف الفلاحين بأى فايدة بأى حال من الأحوال، وندخل فى تجربة جديدة حتى تكون التعاونية؛ التعاونية بتاعتنا بتنبع من أخلاقنا فعلاً ومن ضميرنا، احنا مش بنبنى مجتمعنا، مش بناخد كتب وننقش منها علشان نبنى، بنفكر علشان نبنى مجتمعنا زى ما احنا عاوزين. كل واحد فى بلده له ظروفه، كل واحد بيتعلم بس بيتعلم من ولاد بلده، من أهل بلده، من المجتمع اللى عايش فيه.. من المجتمع؛ من المجتمع اللى حيا فيه، من المجتمع اللى بيعمل من أجله. أما بنقول مجتمع اشتراكى ديمقراطى تعاونى، عايزين فعلاً مجتمع اشتراكى ديمقراطى تعاونى.. عايزين نقول مجتمع متحرر من الاستغلال، قلنا بنقضى على المرابى وعايزين نقضى على المرابى اللى كان موجود فى القرية علشان يمص دم الفلاح.

بندى مثل، ولو ان احنا نتكفل كشعب وكدولة، ونقول ان احنا بنعمل لأول مرة فى هذا التاريخ الحديث تعاونيات بدون فوايد، بدون ربا.. بنعمل تجربة جديدة، بنقيم التسليف الزراعى التعاونى على أساس جديد خالص، وندخل فى هذه التجربة، وإن شاء الله هذه التجربة سنطبقها فى هذا العام. طبعاً اللى بنطلبه بعد كده من الفلاحين إنهم ما يماطلوش فى الدفع، طبعاً زى كل واحد ما بياخد حقه وبياخد نصيبه وأكتر، كل واحد يعتبر خادم، ويعتبر يعنى عليه واجب بالنسبة لنفسه وعليه حق بالنسبة للمجتمع.

زى العمال ما أخذوا حقوقهم وأكتر عليهم واجبات.. يعنى كل واحد له حقوق وعليه واجبات؛ سواق الأتوبيس اللى يكون فاضى ويمشى على المحطة ويسيب الناس ولا يخدهمش بيبقى تخلى عن مسئوليته فى المجتمع، كلنا بنعرف هذا. إذا كان العامل عايز يبقى فعلاً هو أساس هذا المجتمع لازم يحس ان المجتمع دا مجتمعه، مافيش ما يدعو لأن يحقد على المجتمع؛ مجتمع أولاده، مجتمع أخته، مجتمع مراته، مجتمع أمه وأبوه وأهله، الواحد لازم يقوم بواجبه تجاه هذا الشعب. عشان كده بنقول بنجرب فى بنك التسليف الزراعى، وباطلب من الفلاحين انهم يسددوا ديونهم، ما يماطلوش، علشان تنجح التجربة ونفتخر بأن التجربة تجربة ناجحة، بهذا بنكون بنطبق فعلاً الاشتراكية الديمقراطية التعاونية بتاعتنا؛ الاشتراكية اللى بتزيل الفوارق بين الطبقات.

ولكن هل الاشتراكية اللى بتزيل الفوارق بين الطبقات.. هل ممكن تشيل الفوارق بين الأفراد؟ مستحيل. احنا بنقضى على الفوارق بين الطبقات.. حنذيب الفوارق بين الطبقات.. سنعمل على إزالة الفوارق بين الطبقات، مافيش طبقة ستستغل طبقة وتمص دمها وتأخذ نتيجة عرقها ونتيجة عملها، ولكن طبعاً بالنسبة للأفراد هناك العمل وهناك الكفاءة. طبعاً أما نقول حنزيل الفوارق بين الطبقات معناها ان احنا بنغير البناء السياسى، بنغير البناء الاقتصادى، وبنغير البناء الاجتماعى؛ ولكن ليس معنى هذا ان احنا نزيل الفوارق بين الأفراد، مش معنى هذا ان احنا مثلاً نساوى فى الأجور، كل واحد بيأخذ أجره وفقاً لعمله، ووفقاً لكفاءته، وفقاً لتجربته طبعاً، لكن هذا لا يعنى التعالى فى الأجور؛ ولهذا احنا وضعنا قانون الضرائب التصاعدية حتى نحد من الدخول العالية.

الاشتراكية الديمقراطية التعاونية اللى بنتكلم عليها، وبنقول إنها تهدف إلى إزالة الفوارق بين الطبقات تهدف أيضاً إلى رفع مستوى المعيشة، كما تهدف - زى ما قلنا - إلى أن الشعب كله يتساوى، وما تكونش الأقلية نهابة للأغلبية، الدولة تكون ملك للجميع، ولكل فرد من أبنائها واجبه. طبعاً رفع مستوى المعيشة دا برضه واجب واقع علينا؛ لأننا إذا ما عملناش، إذا لم نعمل إصلاح أراضى.. إذا ما صلحناش أراضى جديدة، إذا ما بنيناش المصانع ونفذنا الخطة المقررة فى عشر سنوات فى ٨ سنوات مش حنقدر أبداً بأى حال نرفع من مستوى المعيشة كما نريد، على قد ما حيعمل كل فرد من أبناء هذه الأمة على قدر ما سنستطيع أن نرفع مستوى المعيشة.

هذه - أيها الإخوة - هى الاشتراكية الديمقراطية التعاونية التى تمثل القضاء على الظلم الاجتماعى، والتى تمثل إقامة عدالة اجتماعية.

الإسلام فى أول أيامه كان أول دولة اشتراكية.. الدولة اللى أقامها الإسلام واللى أقامها محمد عليه الصلاة والسلام كانت أول دولة اشتراكية. محمد.. محمد النبى أول من طبق سياسة التأميم فى هذه الأيام.. فيه حديث عن النبى - عليه الصلاة والسلام - قال فيه إن الناس شركاء فى ثلاثة: الماء والكلأ والنار، فيه ناس قالوا إن أيضاً الملح.. معنى هذا إيه؟ فى هذه الأيام كانت المقومات الأساسية للمجتمع هى المراعى والميه؛ لأنهم رعاة بيرعوا.. بيعوزوا الميه وبيعوزو الكلأ، بيعوزوا النار وبيعوزوا الملح.. كان حاجة هامة، مقومات أساسية فى المجتمع، فالنبى قال إن الناس يجب أن يكونوا شركاء فى هذا.. ما يجيش واحد يستولى على مراعى ويقول دى بتاعتى. التأميم بيختلف عن هذا فى إيه؟! أما نقارن نفسنا بهذا الوقت.. الأول كان المجتمع بيعيش على المراعى، بيعيش على المَيه، وبيعيش على الكلأ، النار كانت مهمة له.. النهارده المصانع هى بتمثل والأراضى الزراعية، بتمثل المقومات الأساسية فى المجتمع.

الدولة الإسلامية حينما قامت كانت هى أول دولة اشتراكية، الإسلام سار بعد النبى - عليه الصلاة والسلام - فى طريق الاشتراكية، وأيام أبو بكر وأيام عمر سار فى طريق الاشتراكية. وفى أيام النبى، وفى هذه الأيام أنصفوا أهل الفقر من أهل الغنى، وقاموا فى أيام عمر أمموا الأرض، ووزعوا الأرض على جميع الفلاحين.

جميع الديانات بتنص على العدالة الاجتماعية.. جميع الديانات بتنص على الزكاة.. الإسلام بينص على الزكاة.. الزكاة اللى بتمثل ربع العشر من المال اللى موجود فى آخر السنة؛ يعنى لو الواحد بيدفع ٢.٥% كل سنة من المال المتبقى عنده فى آخر كل سنة بيبقى بيدفع فى ٤٠ سنة أو ٥٠ سنة كل هذه الأموال؛ إذن كان دين اشتراكى، لم تكن الزكاة إلا أساس من أسس الاشتراكية؛ ولهذا فعلاً فى هذه الأيام ماكانش فيه فقراء ماكانش فيه عجز، كان فيه تكافل اجتماعى كامل.

طبعاً بعد كده يمكن بعض الناس.. بعض المشايخ بقوا يروحوا طبعاً كل واحد يخبط ديك رومى أو خروف عند الإقطاعيين، ويطلع يدى فتوى ان الملكية لا يمكن ان احنا نقرب لها، أولا يمكن ان احنا نمسها.. طبعاً هو ما بيفكرش.. اللى قال هذا الكلام ما بيفكر فى حاجة إلا فى جوز الفراخ اللى بيروح يخبطه فى العشوة، أو فى الديك الرومى اللى بيروح ياخده ويطلع يملا بطنه.. مالوش دعوة يعنى، اللى قال هذا الكلام يبقى كان أجير للرجعية، أجير للإقطاع، أجير للرأسمالية، والعمة كانوا بيحاولوا طبعاً فى هذا الوقت إنهم يضحكوا علينا بها. الدين عمل.. من أول الإسلام النبى كان يعمل، وكل واحد كان يعمل، ماكانش أبداً تجارة. والدين فى كل الأديان؛ فى المسيحية وفى اليهودية نصوا على الزكاة اللى هى تطبيق الأساس الاشتراكى السليم الصحيح.

نحن نهدف - أيها الإخوة - إلى أن يكون لكل فرد مكان فى هذا المجتمع، ولكن يجب على كل فرد أن يعرف حقوقه وواجباته.. كل موظف فى هذه البلد يقوم بخدمة اجتماعية.. كل موظف يعمل من أجل المصلحة العامة. العمل فى القطاع العام خدمة اجتماعية.. علينا أن نحقق أهداف العمل فى القطاع العام، أهداف الإنتاج، وعلينا ان احنا نحدد المسئولية ونعطى الثقة، وعلينا ان احنا نحاسب على أساس العمل.. حرية فى العمل، وعلينا ان احنا نمنع احتكار الناس للأعمال، وأنا أصدرت قرار امبارح بحيث إن كل واحد يعمل عمل واحد، علشان ما يروحوش بعض الناس يكوشوا على كل الأعمال، أو أكبر عدد من الأعمال ويحرموا بقية الناس من الفرص المتكافئة. عايزين فرص متكافئة، وعندنا رأس مال كبير من الشباب، وعندنا رأس مال كبير من الناس القادرين على العمل. فيه ناس بيقولوا احنا مشفقين عليكم من القطاع العام، أما يكبر حتحصل فيه أغلاط، مافيش حاجة مافيهاش غلط.. أى حاجة بيحصل فيها غلط، لكن اللى كان بيحصل إيه؟ بيحصل غلط فى القطاع العام، طبعاً كل الرأسماليين والرجعيين واللى احنا عارفينهم كلهم بيقعدوا يمسكوا الغلطة، ويفضلوا يحكوا فيها صبح وضهر وليل ونهار، ولكن هل هم عندهم غلط؟ مافيش حتة مافيهاش غلط طبعاً. هم بتحصل عندهم أخطاء أكثر، ولكن طبعاً ما بيحاولوش أبداً يستغلوها، بيحاولوا يكبروا فى هذه الأخطاء علشان بيسيئوا إلى فكرة الاشتراكية، علشان يؤثروا على تفكيرنا.

الرشوة؛ اللى بيرتشى بيروح السجن، أى واحد بينظبط فى رشوة بيروح السجن، وبيحاكم بمحكمة عسكرية، واحنا وجدنا ان فيه رشاوى من شركات المقاولات يعنى، وشركات التوريدات والتوكيلات، هم أكبر ناس يعنى يفسدوا بلد بحالها؛ لأن الرشوة أما توصل إلى ٥ آلاف جنيه أو ١٠ آلاف جنيه، أو عشرين ألف جنيه فيه إغراء. احنا نزلنا مبانى الدولة السنة اللى فاتت بـ ١٦٠ مليون جنيه؛ يعنى المقاولين اللى حيدخلوا فى هذه العمليات حيكسبوا ٢٠، ٣٠ مليون، فقطعاً كل واحد بيستقتل علشان ياخد العملية، وبهذا كانوا بيجدوا انه عشان يكسب مثلا ربع مليون أو نصف مليون - وفيه ناس كانت بتكسب فى هذه السنوات نظراً لكثرة المشروعات ملايين - علشان يكسب ما عندوش مانع يدفع له رشوة ٢٠ ألف جنيه أو ٣٠ ألف جنيه.

الحل الوحيد لهذا إيه؟ عاملين رقابة إدارية وتحريات، ولكن أصبح الحل الوحيد ان احنا بنؤمم المقاولات، ويبقى القطاع العام لا يعمل إلا مع القطاع العام، مافيش حيبقى داعى للرشوة، مافيش داعى للأساليب المفسدة اللى كانت بتتبع فى الأول.

وفى القطاع العام بدى أقول إن أى إهمال حيعتبر جريمة.. لغاية النهارده القانون - بكل أسف - الإهمال مش جريمة، واحنا لسه بنحكم بقوانين عبد الفتاح يحيى أو توفيق نسيم لغاية النهارده. لازم نغير هذه القوانين.. لازم الإهمال فى حق الشعب يبقى جريمة، ما نقولش إن المال الميرى مال سايب زى ما كان بيتقال زمان؛ لأن دا ملك كل فرد منا.. القطاع العام بتاع كل واحد منكم، اللى يهمل فى هذا العمل لازم يؤاخذ، اللى يتولى مسئولية فى القطاع العام ويعين قرايبه أو يعين استثناءات لازم نؤاخذه ونعتبره عمل خيانة، وفيه عمال موجودين فى مجالس الإدارة، وفيه عمال موجودين فى المصانع. وأنا جت لى جوابات من عمال عن واحد عمل مسابقة وحددها.. قلنا مافيش حد يدخل إلا بمسابقة؛ ومافيش قرايب تدخل.. راح عمل مسابقة وحددها، لدرجة فاضل يقول اتولدت يوم كذا واتولد يوم كذا، فى شارع كذا، شقة نمرة كذا، علشان ياخد واحد ومراته يعينهم فى هذا المصنع. طبعاً الكلام دا حنقابله باستمرار؛ لأن احنا ما بنقولش ان الناس كلها ملايكة، ولكن مش مسئوليتى أنا بس انى أقاومه، كل واحد فيكم يقاومه.

أى حاجة بهذا الشكل.. كل جواب بيجى لى باشوفه، أى واحد فى أى حتة بيعين قرايبه تبعتوا لى جواب، أى واحد بيعمل استثناءات ابعتوا لى جواب فى هذا.طبعاً أما باقول هذا الكلام علشان نخدم خدمة اجتماعية.. مش عايزين جوابات كيدية، ومش عايزين جوابات بدون إمضاء، يعنى ماحدش يخاف أبداً، البلد بلدكم والمصانع مصانعكم، والأرض أرضكم.. كل واحد حريص على حاجته، كل واحد حريص على ملكيته، وكل واحد حنحاسبه على عمله.. اللى حيتلاعب بهذه المسئولية حنحاسبه. وحنغير القوانين، حنعمل للإهمال عقوبة السجن، حنعمل للى يهمل فى المصلحة العامة عقوبة، مش على أساس انها جناية، ولكن عقوبة على انها تعريض لأمن الدولة كله للخطر.

اللى بيبنى مصنع يتأكد من بناية المصنع، واللى ياخد مسئولية يتأكد من هذه المسئولية. المصنع اللى اتبنى فى شبين الكوم؛ مصنع الغزل والنسيج، حصل فيه إيه؟ بعد ما اتبنى المصنع وقع سقف المصنع.. وقع والعمال ماكانوش فى الوردية، طبعاً من المسئول عن هذا؟ مدير المصنع.. مدير المصنع النهارده فى السجن؛ لأنه هو مسئول انه يبنى هذا المصنع، اللى هى أموال الدولة، ومسئول انه يشوف العطاءات ويشرف عليها، ويشرف على كل صغيرة وكبيرة.

وكل واحد حيغلط غلطة ضد الشعب وضد حق الشعب مافيش غير ان احنا نحاسبه حساب عسير.. نكافئ المجتهد، ونحاسب المخل بواجباته ونجازيه.والعمل خدمة اجتماعية، والعمل من أجل هذا الشعب، وفى نفس الوقت ندى كل واحد مسئولية كاملة، وندى كل واحد حرية كاملة، ولكن نطلب منه العمل الشريف والعمل الأمين.. دا سبيلنا فى بناء مجتمعنا.. وسرنا فى هذا السبيل من أول يوم من ٢٣ يوليو سنة ٥٢ لغاية النهارده - بعد ٩ سنين - يمكن أنا لسه مش مقتنع، يعنى مش مكتفى باللى شايفه لغاية دلوقت.. باقول إن المسئولية لسه عايزه عمل، مش حنقدر نخلق كل حاجة فى يوم وليلة، لكن نقدر نضاعف عملنا، ونقدر نشتغل أكتر، ونقدر ننتج أكتر، ونقدر نحول المجتمع بسرعة أكبر.

من أول يوم من أيام الثورة كنا ننادى بالعدالة الاجتماعية والاشتراكية، وننادى بالاستقلال، وننادى بالوحدة العربية، وننادى بالقومية العربية.. وكان فيه استغراب ليه مصر طالعة تنادى بالقومية العربية والوحدة العربية؟ لسبب بسيط؛ الحرية على طول بتعيد الإنسان إلى طبيعته والى أصله.. التحرر من الاستعمار ومن سيطرة الاستعمار معناه أن لابد أن نسير فى طريقنا الطبيعى؛ طريق القومية العربية وطريق الوحدة العربية.. الحرية والقضاء على الاستعمار ملازمة للقومية العربية، والتضامن العربى، وملازمة للوحدة العربية، والحرية أيضاً ملازمة للاشتراكية والديمقراطية التعاونية.

بمجرد الشعب ما يحس بحريته بيبص للأمة العربية كلها، وبيقول يجب أن نقضى على التجزئة المصطنعة، يجب أن نقوى القومية العربية ونرفع علمها، يجب أن تكون الأمة العربية كلها يد واحدة، الاستعمار هو اللى قسمها والاستعمار هو اللى فرقها.. أعداء القومية العربية وأعداء الوحدة العربية طبعاً فى نفس الوقت هم أعداء الشعب العربى؛ لأن الشعب حينما ينادى بالقومية العربية وينادى بالوحدة العربية بعد أن يتحرر ويستقل، ثم ينادى بالاشتراكية، لا يمكن أن يفصل بين هذا أو ذاك؛ لأن كل هذه الأمور تكون مختلطة فى دمه.. يريد أن يستقل، يريد أن يتحرر، يريد أن يقيم وحدة عربية وقومية عربية، يريد أن يقيم اشتراكية ديمقراطية، يريد أن يقيم مجتمع فعلاً ترفرف عليه الرفاهية؛ إذن ما نقدرش أبداً نقول ان احنا ضد الرجعية وفى نفس الوقت نقول ان احنا ضد القومية العربية.. أى حد بيسير ضد القومية العربية فى نفس الوقت بيسير مع المخطط الاستعمارى ومع المخطط المضاد للقومية العربية. بالأساس من هم أعداء القومية العربية؟ الاستعمار وإسرائيل، وطبعاً أعوان الاستعمار فى العالم العربى.. طبعاً هؤلاء أعداء للقومية العربية. إسرائيل أقامها الاستعمار فى قلب العالم العربى؛ لتقضى على القومية العربية، ولتضرب الأمة العربية، ولتمنع الأمة العربية من أن تصحو وتبنى نفسها اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً.

ولكن هل منع قيام إسرائيل الأمة العربية من إنها تحقق طريقها؟ حققنا الاستقلال والحرية، وحققنا الوحدة العربية بقيام الجمهورية العربية المتحدة، وفى نفس الوقت نحن نسير فى طريق تحقيق الاشتراكية الديمقراطية التعاونية. هل خوفتنا إسرائيل؟ دفعتنا إسرائيل لأن نبنى الجيش الوطنى القوى. هل خوفونا اللى ورا إسرائيل؟ الاستعمار اللى أقام إسرائيل، واللى بيحمى إسرائيل، واللى بيقولوا إسرائيل قامت لتبقى ما خوفوناش؛ لأن احنا لازلنا نؤمن بقوة وبشدة بحق شعب فلسطين فى بلده وفى أرضه وفى وطنه، ولن يمكن أن يدفعنا هذا إلا إلى التصميم وشدة التصميم.

رئيس الولايات المتحدة الأمريكية - الرئيس "كيندى" - بعت لى جواب من حوالى شهر ونص، اتكلم فيه على قضية فلسطين وعلى وجهة نظره بالنسبة لقضية فلسطين، ورغبته فى إنهاء التوتر. السفير الأمريكى الجديد قدم أوراق اعتماده من يومين.. أنا قلت له بعد تقديم أوراق اعتماده إن أنا حابعت رد إلى "كيندى".. بعد أعياد الثورة حابعت له هذا الرد. فيما يتعلق بنا بدى أقول حاجة.. فيه ناس قالوا مافيش داعى أبداً نرد على "كيندى"، وإن الرد على" كيندى" دا يبقى مفاوضات. وأنا باقول دا منطق، احنا لنا منطق آخر.. احنا ما عندناش حاجة أبداً نخاف نتكلم فيها.. ليس هناك شىء نخشى الكلام فيه، احنا ما بنتكلمش لغتين، ما بنشفش العالم بوجهين.. بنتكلم لغة واحدة، فى الوثائق السرية نفس اللغة، فى الخطب والأحاديث العلنية نفس اللغة، وأظن كلكم عارفين هذا.

طبعاً فى قضية فلسطين؛ القضية اللى مست ماضينا وتمس حاضرنا ومستقبلنا، ما نقدرش أبداً نقبع وراء السلبية.. ما نقدرش ندارى العجز بالألفاظ الرنانة، من واجبنا ان احنا نتحرك لنصون حقنا، ونتحرك للدفاع عن حقنا.. من واجبنا أن تكون حركتنا طليقة، وحركتنا تمتد على جبهة واسعة، بين الكلمة وبين المدفع؛ هذه الجبهة.

احنا أصحاب حق.. أصحاب حق وبنعرف حقنا إيه.. بنتمسك بحقنا، بنتكلم عن حقنا وندافع عنه. هل معقول نسيب "بن جوريون" يروح أمريكا ويروح لندن ويروح فرنسا، ويلف العالم، ويشرح للناس ويقنعهم، ويحاول يقنعهم ان هو على صواب واحنا على خطأ، وبعدين أما احنا حد يسألنا؛ يقول لنا رأيكم إيه فى هذا الموضوع؟ نقول له لا ما احناش رادين عليك. لازم نحاول نقنعه أيضاً باللسان ان احنا على حق، وان قيام إسرائيل هو الخطأ.. وزى ما قلت بنتحرك من الكلمة - كلمة اللسان - إلى نهاية الجبهة: طلقة المدفع والجيش الوطنى القوى.. دى الجبهة اللى احنا بنتحرك فيها.. احنا أصحاب حق، ونعرف حقنا ونتمسك به، ونتكلم عنه وندافع عنه، ونناضل من أجل انتزاعه من غاصبيه بكل الوسائل وبكل الطرق، هذه هى القيم التى يجب أن نتبعها.

بنيجى بنتكلم على مشكلة أخرى فى العالم العربى.. اللى هو موضوع الكويت.. من اللحظة الأولى احنا قلنا رأينا إيه فى هذا الموضوع. لما قلنا رأينا كان بيهمنا القيم التى يجب أن تحكم النضال العربى.. المبادئ التى يجب أن تحكم العلاقة بين العربى والعربى. طبعاً القيم دى لا يمكن أن تكون طمع فى ثروة، ولا يمكن أن تكون توسع إقليمى؛ ولهذا منذ اللحظة الأولى أعلنا موقفنا، وكنا نستمده من المبادئ الأصيلة اللى أعلناها قبل كده. خواطرنا طول الوقت طبعاً كانت مع شعب العراق ومع شعب الكويت، وكنا نرى ان اللى بيستفيد من هذه الأزمة لن يكون إلا الاستعمار؛ ولهذا حددنا موقفنا من أول دقيقة. قدامنا شعبين عربيين فى أمة عربية واحدة؛ شعب العراق وشعب الكويت.. ولم يكن من حقنا نحن الجمهورية العربية المتحدة إلا أن نتمسك بالمبادئ، لا حفاظاً على المبادئ وحدها، وإنما أيضاً حفاظاً على تضامن الأمة العربية. مستقبل الأمة العربية كله لا يمكن أن يقوم على المناورات، المناورات ليست وسيلة لتحقيق الأمانى العربية، ولكن قد تكون المناورات وسيلة لانتكاس الأمانى العربية، وطبعاً قد تكون المناورات سبباً لعودة الاستعمار وعودة الإنجليز، زى ما حصل فى الكويت.

لا يمكن لهذه الجمهورية أن توافق على أن يكون مبدأ الضم حكماً فى العلاقات بين الشعوب العربية، أعلنا أظن من سنين دائماً أننا نؤيد منطق الوحدة ونرفض منطق الضم، ولكن للوحدة أساس، وهذا الأساس هو الإجماع الشعبى. هدفنا جميعاً الآن، وهدفنا جميعاً كان فى كل وقت هو التخلص من الاستعمار والتخلص من الاحتلال، يجب أن يكون هدفنا جميعاً الآن - بعد أزمة الكويت، وبعد ما رجع الإنجليز إلى الكويت - أن يخرج الإنجليز من الكويت ليبقى شعب الكويت الشعب المستقل المطمئن الآمن.

تحقيق الأمانى العربية يدعونا إلى العمل على ضرورة استكمال تحرير الشعوب العربية كلها؛ الجزائر، المحميات، كل منها يناضل من أجل الحرية ومن أجل الاستقلال.. تحقيق الأمانى العربية يجب أن يجعل من الأمة العربية كلها سند لكل من يكافح فى سبيل حريته، وكل من يكافح فى سبيل استقلاله.

تحقيق الأمانى العربية يدعونا جميعاً أن نتكاتف اليوم مع تونس التى تجابه العدوان الفرنسى الغاشم.. تونس التى تجابه الاستعمار الفرنسى... أى قطرة دم بتراق فى تونس هى قطرة من دمائنا، قطرة من دماء إخوانا. وأنا باعلن باسم شعب الجمهورية المتحدة ان احنا نؤيد تونس تأييد كامل فى معركتها من أجل الحرية، وان احنا على استعداد أن نمد تونس بكل ما تحتاجه، سواء فى الميادين السياسية أو الميادين العسكرية؛ لأن معركة العرب معركة واحدة فى كل بلد عربى، وأعلن باسم شعب هذه الجمهورية العربية المتحدة ان احنا بنؤيد الحبيب بورقيبة فى معركته، ونناصره ونسنده، ودى المبادئ العربية الكريمة. يمكن فيه ناس حتستغرب وتقول ازاى كانوا متخانقين امبارح وازاى النهارده...؟ "أنا وأخويا على الغريب"، دا كلام معروف.. مثل عربى قديم، ويمكن نتخانق ولكن لا يمكن بأى حال من الأحوال ان احنا نسمح للاستعمار أو للأجنبى أن يريق أى دم عربى.. أى دم عربى بيراق فى بنزرت النهارده هو مماثل للدم اللى أريق فى بورسعيد وفى السويس، الدم اللى أريق فى دمشق وفى بيروت وفى بغداد وفى كل بلد عربى، الدم اللى أريق فى مراكش وفى الرباط، الدم العربى فى كل بلد هو دم عربى.. مبادئ التضامن العربى تدعونا إلى أن نتضامن فى أى لحظة ضد الخطر.. وشعب الجمهورية العربية المتحدة يتضامن بكل ما فى استطاعته مع الشعب التونسى فى هذه المعركة ضد قوى الاستعمار الغاشم.

إننا - أيها الإخوة - حينما نعلن هذا إنما نعبر عما يجيش فى قلب كل عربى من أبناء شعب الجمهورية العربية المتحدة.. هذا الشعب الذى آلى على نفسه أن يحقق الأمانى العربية.. هذا الشعب الذى آلى على نفسه أن ينصر معركة الحرية فى كل مكان.. فى إفريقيا نصرنا معركة الحرية فى كل مكان.. كنا هنا فى هذه الجمهورية العربية المتحدة قاعدة للحرية، وقلعة للحرية، ونقطة انطلاق للحرية، وكنا دائماً سند لكل من يعمل لتحرير بلده.. كنا نعمل من أجل تحرير إفريقيا، وكنا نعمل فى تضامن مع زعماء إفريقيا الأحرار، وكنا نعمل من أجل التضامن الإفريقى، واستطعنا أن نصل إلى اتفاقات ونصل إلى نتائج تسير مع المنطق؛ لأن الاستعمار أطلق إسرائيل فى إفريقيا، وكان يعتقد أنه بهذا أطلق كلبه الأمين علشان يمهد له الأرض فى إفريقيا، انخدعوا الإفريقيين بعض الوقت، ولكن بعد كده تنبهوا ان إسرائيل هى صنيعة الاستعمار الجديد، إسرائيل هى رأس جسر للاستعمار، إسرائيل ليست إلا مقدمة للاستعمار، وليست إلا ستار للاستعمار وخداع للاستعمار؛ على هذا الأساس سرنا لنساعد شعوب إفريقيا من أجل حريتها ومن أجل استقلالها.

سرنا أيضاً فى موقفنا الدولى من أجل السلام، ومن أجل تحريم التجارب الذرية، ومن أجل نزع السلاح؛ سرنا على أساس السياسة التى أعلناها والتى صممنا عليها.. سياسة عدم الانحياز، سياسة الحياد الإيجابى؛ عدم الانحياز يعنى إيه؟ يعنى ان احنا بنقول سياستنا اللى تنبع من ضميرنا، سواء غضبت الدول الكبرى أو ما غضبتش.. رأينا بنقوله، ما بنغيرش ما نقتنع به علشان نرضى دولة من الدول.. هذه هى سياسة عدم الانحياز. ودعونا إلى مؤتمر لعدم الانحياز حينعقد فى أول سبتمبر فى بلجراد لرؤساء الدول التى تتبع هذه السياسة.. فى سنة ٥٥ كانت الدول اللى بتتبع سياسة عدم الانحياز لا تعد على أصابع اليد الواحدة، أقل من ٤، ٥ دول.. النهارده ٣٠ دولة تتبع سياسة الحياد وعدم الانحياز، ولكن احنا بهذا لا نمثل كتلة لأن احنا ضد سياسة الكتل، وضد سياسة الكتل العسكرية، ولكنا نمثل ضمير العالم؛ الضمير الذى يقف ضد الاستعمار، وضد السيطرة والتحكم، الذى يقف ضد التجارب النووية وضد التسلح، الضمير الذى يدعو إلى نزع السلاح.

وأنا أعتقد.. ونحن نعتقد أن مؤتمر عدم الانحياز - الذى سيمثل ضمير العالم وروحه المعنوية - سيستطيع أن يخفف من حدة التوتر الدولى بين الكتلتين المتصارعتين؛ يستطيع أن يساعد فى حل المشاكل المستعصية، سيستطيع أن يعلن رأيه بوضوح فى كل مشكلة من المشاكل، وفى كل مسألة من المسائل، على أساس من الاستقلال الحقيقى فى السياسة، وعلى أساس من الحرية الكاملة فى إعلان ما تقتنع به الدول غير المنحازة.

إننا نتجه فى سياستنا الدولية - أيها الإخوة - إلى تدعيم الأمم المتحدة وجعلها أساساً للسلام. وكانت تجربة الأمم المتحدة فى الكونجو تجربة تستدعى أن تراجع الأمم المتحدة طريقة تكوينها لتتناسب مع سنة 61 ومع السنين القادمة.. الأمم المتحدة اتعملت سنة 45، النهارده الدول المستقلة تضاعفت، النهارده الشعوب بتحاول كلها أن تتحرر وأن تستقل. الحرية منطلقة فى جميع أنحاء العالم.. آسيا كلها تحررت.. إفريقيا كلها تحررت.. والباقى فى سبيله إلى الحرية؛ إذن لابد أن تشكل الأمم المتحدة نفسها حتى تتوافق مع العصر الحالى، ومع الزمن اللى احنا موجودين فيه؛ هذه - أيها الإخوة - مسئوليتنا تجاه المستقبل.

فى كلمتى معكم تكلمت عن الماضى وعن الحاضر، وعن مسئولية الأمة تجاه المستقبل، قلت لكم: إن المستقبل يصنعه الشعب، أى فرد فى هذه الأمة ليس إلا صفحة فى تاريخ هذه الأمة، الشعب لازم يعرف أهدافه ومسئولياته ويحددها ويدافع عنها، الشعب لازم يعرف طريقه ويسير فى هذا الطريق، الشعب لازم يحمى المكاسب اللى حصل عليها لأنه هو الخالد، لن يكون الخلود لفرد أو لأفراد، ولكن الخلود للشعب وحده، ولتبق هذه الأمة العربية خالدة كريمة عزيزة.

والسلام عليكم ورحمة الله.